هذه المسألة مسألة كبيرة جدًّا، ووقع فيها ضلالٌ كبير وكثير، وهي معروفة في كتب المتكلمين بمسألة تسلسل الحوادث، والتسلسل مأخوذ من السلسلة، والسلسلة تكون متداخلة، كل حلقة داخلة في الأخرى حتى يتصل آخرها بأولها، فلا يكون فيها نقص، والتسلسل مأخوذٌ من أن كل حادث قبله حادث، وهكذا إلى ما لا نهاية، والتسلسل يكون من الجانبين: من جانب المستقبل، وجانب الماضي؛ فالماضي كل حادث قدر فقبله حادث، وكل مخلوق قدر فقبله مخلوق، وهكذا، وأما المستقبل فكل شيء يوجد فسيوجد شيء آخر، وهكذا.
فالحاصل أن نوع الحوادث هل يمكن دوامها في المستقبل والماضي أم لا، أو في المستقبل فقط، أو الماضي فقط؟ فيه ثلاثة أقوال معروفة لأهل النظر من المسلمين وغيرهم.
أضعفها: قول من يقول: لا يمكن دوامُها لا في الماضي ولا في المستقبل؛ كقول جَهم بن صفوان وأبي الهذيل العلاف، ويترتَّبُ على قولهم هذا في المستقبل من الضلال: أن أهلَ الجنة وأفعالهم تنتهي، الجنة والنار تَفنيان.
ويترتب عليه في الماضي: أن الله جل وعلا كان معطلًا في الأزل، فلم يكن يفعل شيئًا، ثم لما أراد أن يخلق السَّموات والأرض والجبال والمخلوقات صار قادرًا على الفعل، أما قبل ذلك فلم يكن قادرًا، وهذا من أسوأ الظن بالله.
والمطلوب: أنه يجب اعتقاد الكمال المطلق لله، وأنه لا يجوز أن يكون ناقصًا في وقت من الأوقات، أو معطلًا عن كونه إذا أراد أن يفعل شيئًا فلا يفعله؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.
وثانيها: قول من يقول: يمكن دوامها في المستقبل دون الماضي؛ كقول كثيرٍ من أهل الكلام ومَن وافقهم من الفقهاء وغيرهم، وزعم أن هذا مذهب أهل السنة، وليس كذلك.
والمذهب الثالث: الذي هو مذهب أهل السنة، هو: أن الحوادث في الماضي لا مبدأ لها، والمراد بذلك جنس الحوادث، لا حادث معين؛ فإن الله لم يزل يفعل ما يشاء في الماضي، وكذلك في المستقبل.
ولم يقل أحد: يمكن دوامُها في الماضي دون المستقبل.
ولا شك أن جمهورَ العالم من جميع الطوائف يقولون: إن كل ما سوى الله تعالى مخلوق، كائن بعد أن لم يكن، وهذا قول الرسل وأتباعهم من المسلمين واليهود والنصارى وغيرهم.
ولما كان تسلسل الحوادث في المستقبل لا يمنع أن يكون الربُّ سبحانه هو الآخِرَ الذي ليس بعده شيء، فكذا تسلسل الحوادث في الماضي لا يمنع أن يكون سبحانه وتعالى هو الأولَ الذي