الصفحة 15 من 19

أحدهما: أن يعمله رجل من عين ماله لأهله وأصحابه وعياله، لا يجاوزون في ذلك الاجتماع على أكل الطعام، ولا يقترفون شيئًا من الآثام: فهذا الذي وصفناه بأنه بدعة مكروهة وشناعة، إذ لم يفعله أحد من متقدمي أهل الطاعة، الذين هم فقهاء الإسلام وعلماء الأنام، سُرُجُ الأزمنة وزَيْن الأمكنة.

والثاني: أن تدخله الجناية، وتقوى به العناية، حتى يُعطي أحدهم الشيء ونفسه تتبعه، وقلبه يؤلمه ويوجعه؛ لما يجد من ألم الحيف، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: أخذ المال بالحياء كأخذه بالسيف، لا سيما إن انضاف إلى ذلك شيء من الغناء مع البطون الملأى بآلات الباطل، من الدفوف والشبابات واجتماع الرجال مع الشباب المرد، والنساء الفاتنات، إما مختلطات بهم أو مشرفات، والرقص بالتثني والانعطاف، والاستغراق في اللهو ونسيان يوم المخاف.

وكذا النساء إذا اجتمعن على انفرادهن رافعات أصواتهن بالتهنيك والتطريب في الإنشاد، والخروج في التلاوة والذكر عن المشروع والأمر المعتاد، غافلات عن قوله تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (] سورة الفجر:14 [.

وهذا الذي لا يختلف في تحريمه اثنان، ولا يستحسنه ذوو المروءة الفتيان، وإنما يَحِلُّ ذلك

بنفوس موتى القلوب، وغير المستقلين من الآثام والذنوب، وأزيدك أنهم يرونه من العبادات،

لا من الأمور المنكرات المحرمات، فإن لله وإنا إليه راجعون، بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدأ.

ولله در الشيخ القشيري حيث يقول:

قد عرف المنكر واستنكر المعروف في أيامنا الصعبة

وصار أهل العلم في وهدةٍ وصار أهل الجهل في رتبة

حادوا عن الحق فما للذي سادوا به فيما مضى نسبة

فقلت للأبرار أهل التقى والدين لما اشتدت الكربة

لا تنكروا أحوالكم قد أتت نوبتكم في زمن الغربة

ولقد أحسن أبو عمرو بن العلاء حيث يقول: لا يزال الناس بخير ما تعجب من العجب، هذا مع أن الشهر الذي ولد فيه النبي (- وهو ربيع الأول- هو بعينه الشهر الذي توفي فيه، فليس الفرح بأولى من الحزن فيه.

وهذا ما علينا أن نقول، ومن الله تعالى نرجو حسن القبول.

وأن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: كل ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا فهو بدعة. فهل يكون المولد النبوي بالمعنى العرفي غير بدعة، وهو لم يكن سنة من سنن الرسول ولا من سنن الخلفاء الراشدين، ولا من عمل السلف الصالح، وإنما أحدث في القرون المظلمة من تاريخ الإسلام حيث نجمت الفتن وافترق المسلمون، واضطربت أحوالهم وساء أمرهم ثم إننا لو سلمنا جدلا أن المولد قربة من القرب بمعنى أنه عبادة شرعية يتقرب بها فاعلها إلى الله تعالى لينجيه من عذابه، ويدخله جنته فإنا نقول: من شرع هذه العبادة آلله أم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ والجواب لا، وإذًا فكيف توجد عبادة لم يشرعها الله ورسوله وهذا مستحيل. وشيء آخر أن العبادة لها حيثيات أربع، وهي كميتها وكيفيتها وزمانها ومكانها فمن يقدر على إيجاد هذه الحيثيات وتحديدها وتعيينها؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت