الصفحة 13 من 15

قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} (سورة سبأ 23) ؛ قرأ أبو عَمرٍو وحمزةُ والكسائي وخلف (أُذِنَ) بضمِّ الألفِ، وقرأ غيرُهم بالفتحِ، فمَن فَتَحَ كان المعنى لِمَن أذِنَ اللهُ له في الشَّفاعةِ، وكذلك مَن قرأ بالضمِّ لأنَّ الآذِنَ هو اللهُ تعالى في القِراءَتين جميعًا.

والآذِنَ ليس من الأسماء الحسنى، إذ لا يصح اشتقاق الاسم من فِعْلِه سبحانه وتعالى الوارد في لكتاب والسنة.

ولكن يصح الاخبار عن الله تعالى بانه الآذِن، فالإخبار: أن نخبر عن الله جل وعلا بفعل أو صفة أو إسم، لكنه ليس من باب وصف الله - جل جلاله - به أو تسميته سبحانه وتعالى به، وإنما من جهة الإخبار لا جهة الوصف والتسمية، شرط أن يكون الإخبار بمعنى صحيح لم ينفَ في الكتاب والسنة، وثبت جنسه في الكتاب والسنة، فالإخبار باب مستفاد من اللوازم، لوازم كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه واله وسلم، إن صح أنه لازم (أي إن دلت عليه النصوص دلالة صحيحة بدلالة اللزوم) .

قال العلامة ابن القيم الجوزية: (ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقة الفاحش في اشتقاقه له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسمًا مطلقًا فأدخله في أسمائه الحسنى، فاشتق له اسم الماكر، والخادع، والفاتن، والمضل، والكاتب، ونحوها من قوله:(وَيَمْكُرُ اللهُ) (الأنفال 30) ، ومن قوله: (وَهُوَ خَادِعُهُمْ) (النساء 142) ، ومن قوله: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ) (طه 131) ، ومن قوله: (يُضِلُّ مَن يَشَاءُ) (الرعد 27) ، (النحل 93) ، (فاطر 8) ، وقوله تعالى: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَ) (المجادلة 21) ، وهذا خطأ من وجوه:

أحدها: أنه سبحانه لم يطلق على نفسه هذه الاسماء، فإطلاقها عليه لا يجوز.

الثاني: أنه سبحانه أخبر عن نفسه بأفعال مختصة مقيدة، فلا يجوز أن ينسب إليه مسمى الاسم عند الإطلاق.

الثالث: أن مسمى هذه الأسماءِ منقسم إلى ما يمدح عليه المسمى به، وإلى ما يذم، فيحسن في موضع، ويقبح في موضع، فيمتنع إطلاقه عليه سبحانه من غير تفصيل.

الرابع: أن هذه ليست من الأسماء الحسنى التي يسمى بها سبحانه فلا يجوز أن يسمى بها فإن أسماء الرب تعالى كلها حسنى، كما قال تعالى: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الأعراف 180) ، وهى التي يحب سبحانه أن يثنى عليه ويحمد بها دون غيرها.

الخامس: أن هذا القائل لو سُمي بهذه الأسماء، وقيل له هذه مدحتك وثناءٌ عليك، فأنت الماكر الفاتن المخادع المضل اللاعن الفاعل الصانع ونحوها لما كان يرضى بإطلاق هذه الأسماء عليه ويعدها مدحة، ولله المثل الأعلى سبحانه وتعالى عما يقول الجاهلون به علوًا كبيرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت