هذا وإن مواقف الجهاد وحضور العدو يكون فيها ما لا يكون في سواها من المواقف، فهذا أبو دجانة سِماك بن خراش - رضي الله عنه - يسير يوم أُحُدٍ بسَيفه يتبخْتَر أمامَ العدو، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إنَّها لَمِشية يُبغِضها الله ورسوله، إلا في مثل هذا الموطن ) ) [1] .
ومِثل هذا حديث البخاري ومسلم [2] عن أبي موسى - رضي الله عنه - قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو نازل بالجعرَّانة بين مكة والمدينة ومعه بلال، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعرابيٌّ، فقال: ألاَ تُنجز لي ما وعدتني؟ فقال: له: (( أَبْشِر ) )، فقال: قد أكثرتَ عليَّ مِن أَبْشِر، فأقبل على أبي موسى وبلال كهَيْئة الغَضبان، فقال: (ردَّ البشرى، فاقبلا أنتما) قالاَ: قبلنا.
ثم دعا بقدح فيه ماء، فغسل يديه ووجهَه فيه ومجَّ فيه، ثم قال: (( اشربا منه، وأَفرِغا علَى وُجُوهِكما ونُحورِكما، وأَبْشِرَا ) )، فأخذا القدح ففعلا، فنادت أمُّ سلمة من وراء الستر: أنْ أفْضِلا لأُمِّكما، فأفضَلاَ لها منه طائفةً، فكأن ذلك كان في محضر كثيرٍ من حديثِي العهد بالإسلام، فأراد أن يُرِيَهم بأمرٍ مباحٍ منْزلتَه عند أتْباعِه مِن المسلمين، وكيف أنَّهم يستمعون لأمره، ويعظِّمون قَدْرَه.
هذا وأحاديثُ التبرُّك بشَعَرِه وبوَضوئه وقع غالبُها في مثل هذه المواقف، كما حدث في أكبر جموعه شُهُودًا في حَلْقِ شعره في حجة الوداع بمنًى، وفي وضوئه بالأَبْطَحِ؛ حيث يَجتمع الحُجاج، وحيث يستعدُّون للرحيل، وفيهم مَن لم يسبق لهم رُؤية النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم.
هذا فإن كانت الآثارُ النبوية التي يتبرك بها قد انقطعت، فإنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُرشِد إلى الأمر الذي لا ينقطع، فلقد أخرج البيهقي في [الشعب 1533] عن عبدالرحمن بن أبي قراد أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - توضَّأ يومًا، فجعل أصحابُه يتمسَّحون بوَضوئه، فقال لهم النبي - صلى الله عليه وسلم: (( ما يَحملكم على هذا؟ ) )، قالوا: حبُّ الله ورسوله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم: (( مَن سَرَّه أن يُحب الله ورسوله، أو يُحبه الله ورسوله، فليصدق حديثَه إذا حدث، وليؤدِّ أمانته إذا اؤتُمن، وليحسن جوار مَن جاور ) ) [3] .
(1) انظر: سير أعلام النبلاء، 1/ 244 - 245.
(2) البخاري، 4073، ومسلم 2497.
(3) قال الألباني في"مشكاة المصابيح"رقم 4990: حديث حسن، وخرجته في الصحيحة، رقم 2998.