الصفحة 31 من 33

يقول ابن تيمية في الفتاوى ما ملخصه:

أما قول القائل (نحن في بركة فلان) ، فهذا الكلام صحيح باعتبار، باطل باعتبار، أمَّا الصحيح، فأنْ يرادَ أنه هدانا وعلَّمنا وأمرنا بالمعروف، ونَهانا عن المنكر، فحصل لنا الخير باتباعه وطاعته، وأيضًا ببركة دعائه وصلاحه دَفَعَ الله الشرَّ، وحصل الرزق والنصر، ففي الحديث: (( وهل تُنصرون وترزقون إلا بضعفائكم ) )بدُعائهم وصلاتهم وإخلاصهم.

بل قد يدفع الله العذاب عن الكفار والفجار؛ لئلاَّ يصيب مَن بينهم مِن المؤمنين؛ لقوله - تعالى: {لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الفتح: 25] ، وكذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم: (( لولا ما في البيوت من النساء والذَّراري، لأمرتُ بالصلاة فتقام، ثم أنطلق معي برجال معهم حِزَم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة معنا، فأحرق عليهم بيوتهم ) ).

وكذلك ترك رجم الحامل حتى تضع جنينها، فبركات أولياءِ الله الصالحين باعتبار نفعهم للخلق، بدعائهم إلى طاعة الله وبدُعائهم للخلق، وبما يُنزل الله من الرحمة، ويدفع من العذاب بسببهم - حق موجود.

وأمَّا المعنى الباطل، فمِثل أن يريد الإشراكَ بالخلق: مثل أن يكون رجل مقبور بمكان، فيظن أن الله يتولاهم لأجله، وإن لم يقوموا بطاعة الله ورسوله، فهذا جهلٌ، فقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيِّد ولَدِ آدم مدفونًا بالمدينة عامَ الحَرَّة، وقد أصاب أهلَ المدينة من القتل والنَّهب والخوف ما لا يعلمه إلا الله، وكان ذلك؛ لأنَّهم بعد الخلفاء الراشدين أحدثوا أعمالًا أوجبت ذلك.

وكذلك الخليل - صلى الله عليه وسلم - مدفونٌ بالشام، وقد استولى النصارى [1] على تلك البلاد قريبًا من مائة سنة، وكان أهلُها في شر، وكذلك إذا ظن أنَّ بركة الشخص تعود على مَن أشرك به، وخرج عن طاعة الله ورسولِه، مِثل أن يظن أن بركة السجود لغيره، وتقبيل الأرض عنده ونحو ذلك - يحصل له السعادة، وإن لم يعمل بطاعة الله ورسوله.

وكذلك إذا اعتَقد أنَّ ذلك الشخص يَشفع له ويُدخله الجنة بمجرَّد محبته وانتسابه إليه.

(1) بل إن اليهود يدنسونها، ويُشيعون فيها الكفر والفواحشَ والمنكرات، ومعهم معظم العالم على كل من قاوم فحشهم، وأنكر ذلك عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت