الصفحة 27 من 33

جاء في البخاري في الحديث الطويل في صُلح الحديبية:"ثم إنَّ عروةَ جعل يرمق أصحابَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعينيه، قال: فوالله ما تنخَّم رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - نُخامة، إلاَّ وقعت في كفِّ رَجُل منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه وجِلْده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يَقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتَهم عنده، وما يحدُّون إليه النظر؛ تعظيمًا له، فرجع عُروة إلى أصحابِه فقال: أيْ قوم، والله لقد وفدتُ على الملوك، ووفدتُ على قيصر وكسرى والنَّجاشي، واللهِ إنْ رأيتُ مَليكًا قطُّ يعظمه أصحابه ما يعظِّم أصحابُ محمد - صلى الله عليه وسلم - محمدًا، والله إنْ تنخَّم نُخامة إلا وقعت في كفِّ رجل منهم، فدَلَكَ بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَه، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتَهم عنده، وما يحِدُّون إليه النظر؛ تعظيمًا له، وإنَّه قد عَرض عليكم خطةَ رُشدٍ فاقبلوها ..."؛ البخاري 2581.

قال ابن حجر في الفتح: لعلَّ الصحابةَ فعلوا ذلك بحضرة عروة، وبالغوا في ذلك؛ إشارةً منهم إلى الردِّ على ما خَشِيه من فرارِهم، وكأنَّهم قالوا بلسان الحال: مَن يُحِبُّ إمامَه هذه المحبة، ويعظِّمه هذا التعظيم كيف يظن أنَّه يفرُّ عنه ويسلمه لعدوه؟ بل هم أشد اغتباطًا به وبدينه وبنصره - مِن القبائل التي تراعي بعضها بعضًا بمجرد الرَّحِم، فيستفاد منه جواز التوصُّل إلى المقصود بكلِّ طريق سائغ؛ (انتهى) .

ومعنى هذا أن التبرك بمثل هذا مباحٌ، وإن كانت المبالغة فيه لشهود عروة بن مسعود الثقفي نائبًا عن قريش، وهو وافدُ الملوك يعجبه أبَّهة الملك، فواجهه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذي يُعجبه، والذي إذا حكاه لقريش، لانوا إلى الصلح، وعَدَلوا عن القتال.

ولقد كان موقفُ الحديبية حافلًا بمثل ذلك، فإنَّه عندما وَفد إليهم من قِبَل قريش رجلٌ من بني كنانة وهم قوم يعظِّمون البيت، بَعَثوا الهَدْيَ في وجهه، واستقبله الناس بالتلبية.

فلما رأى الرجل ذلك، قال: سبحان الله! ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عن البيت؟ فلما رجع إلى أصحابه، قال: رأيت البُدْنَ قد قلِّدت وأُشعرت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت