أخرج البخاري في (صحيحه) [1] عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: صارت الأوثان التي كانت تعبد في قوم نوح في العرب بعدُ، أما وَدٌّ فكانت لكلب بدومة الجندل، وأما سُواعٌ فكانت لهذيل، وأمَّا يَغوثُ فكانت لمراد، ثم لبني عطيف بالجرف عند سبأ، وأما يَعوقُ فكانت لهمْدَان، وأما نَسْرٌ فكانت لحِمْيَر لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطانُ إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم، التي كانوا يجلسون أنصابًا، وسَمُّوها بأسمائهم، ففعلوا فلم تُعبد، حتى إذا هلك أولئك، وتنسَّخَ العلم - عُبدت.
وأخرج أيضًا [2] عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ أمَّ حبيبة وأم سلمة ذكرتَا كنيسةً رأينَها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا للنبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقال: (( إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات، بَنَوْا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، فأولئك شرارُ الخلق عند الله يوم القيامة ) ).
وكان ذلك في مرض النبي - صلى الله عليه وسلم - فانظر - رعاك الله وأرشدك - كيف كان السؤال عن كنيسة، والأحاديث دالة على أن ذكرها كان ذِكْرَ إعجابٍ منها، وأن اسمها مارية؛ حيث في رواية:"فذكَرْن مِن حسنها وتصاويرَ فيها، فرفع النبي - صلى الله عليه وسلم - رأسه فقال ..."، وذكر الحديث.
وتدبَّرْ لتعلم أن ذلك الحكم لا يقبل النَّسخ، فهو محكم من أهم مُحْكَمات الشريعة، وأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقُلْ"بَنَوا على قبره كنيسة"، إنَّما قال: (( مسجدًا ) )؛ ليعرفَ الناسُ أنَّ هذه الأُمَّةَ مشمولة بالنهي والتحريم.
ويدُلُّ على ذلك أيضًا حديثُ مسلم الذي أخرجه عن أبي هريرة وابن عباس وعائشة، ورواية عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: (( لعن الله اليهود والنصارى، اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجدَ ) )، فلولا ذاك أُبْرِزَ قبره، غير أنه خَشِيَ أن يُتَّخَذ مسجدًا [3] .
قال ابن حجر في (الفتح) : فوجْهُ التعليل أنَّ الوعيد على ذلك يتناول مَن اتَّخَذَ قبورَهم مساجدَ؛ تعظيمًا ومُغالاةً، كما صنع أهلُ الجاهلية، وجرَّهم ذلك إلى عبادتِهم، وتدبَّر كيف
(1) البخاري 4636.
(2) البخاري 3660.
(3) مسلم 529.