فهرس الكتاب

الصفحة 324 من 2175

وإذا أتينا على ما هو المنقول عن أرباب هذه المذاهب في هذه المسألة؛ فلا بد من الإشارة إلى طرق عول عليها بعض الأصحاب في المسألة، والتنبيه على ضعفها، ثم نبين بعد ذلك ما هو المعتمد إن شاء الله- تعالى.

[المسلك الأول للأصحاب والاعتراضات الواردة عليه]

فمنها: التمسك بقوله- تعالى-: إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ «1» ووجه الاحتجاج به أنه أخبر بأن مصدر جميع المخلوقات أمره، وهو قوله:

(كن) .

ويلزم من ذلك أن يكون أمره قديما، وإلا لاستدعى أمرا آخر، والكلام في ذلك الأمر كالكلام في الأول؛ وهو تسلسل ممتنع.

فإن قيل: ليس المراد من الآية تحقيق الأمر القولى، وخطاب ما أريد خلقه به؛ بل المراد به إنما هو تعريف بعود الإرادة، والمشيئة في المخلوقات، والتسخير على وفق الإرادة والاختيار؛ إذ هى حالة تنزل منزلة القول بالأمر، والنهى. وقد يرد القول بمعنى الحالة، لا بمعنى الكلام حقيقة، وإليه الإشارة بقوله- تعالى- ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ «2» .

وليس المراد من قوله- تعالى- (فَقالَ لَها) غير التعبرة عن نفوذ الإرادة في السماء، والأرض، وكمال التسخير؛ فإن خطاب الجماد متعذر باتفاق العقلاء.

وليس المراد من قوله: (قالَتا أَتَيْنا/ طائِعِينَ) غير التعبرة عن تمام الطواعية، والانقياد لإرادة الله- تعالى-، لا نفس الكلام الحقيقى؛ إذ هو متعذر في الجمادات قطعا.

ومن ذلك أيضا قال الشاعر:

امتلأ الحوض وقال قطنى ... مهلا رويدا قد ملأت بطنى «3»

أضاف القول إلى الحوض؛ وليس المراد به غير التعبرة عن الحالة؛ لاستحالة القول في حقه. وأمثال ذلك في النظم، والنثر كثير.

(1) سورة النحل 16/ 40 صححت الآية حيث كانت في أ، ب (إنما أمرنا ... الخ) .

(2) سورة فصلت 41/ 11.

(3) ورد في لسان العرب مادة قطن بالنص الآتى:

امتلأ الحوض وقال قطنى ... سلا رويدا قد ملأت بطنى

كما ورد في شواهد العينى على خزانة الأدب 1/ 361.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت