فهرس الكتاب

الصفحة 706 من 2175

وأما الوجه الثالث: فقد سبق إبطاله في إبطال الوجه الأول.

والأقرب في ذلك أن يقال:

نحن لا ننكر صحة إطلاق لفظ الهداية والإضلال بالمعنى المذكور فيما ذكرناه من النصوص، وما ذكروه، غير أن النزاع فيما وراء ذلك؛ وهو أنه هل هو حقيقة؟ أو بطريق المجاز؟ وقد بينا جهة الحقيقة فيما ذكرناه من ضرورة تبادره إلى الفهم عند إطلاق اللفظ، بخلاف ما عداه؛ وهو/ أمارة الحقيقة؛ فإن الغالب إنما هو اشتهار اللفظ في جهة الحقيقة دون جهة المجاز.

وأما الاحتمال الثانى:

فلا نسلم ورود لفظ الهداية بمعنى الدعاء. وقوله- تعالى-: وأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ «1» الآية؛ فالمراد بها الهداية بمعنى خلق الهدى؛ فإنهم كانوا آمنوا لما رأوا الآية الباهرة، من ظهور الناقة من باطن الصخرة الجامدة وارتسموا بما رسمه لهم صالح، من قسمة الماء بين الناقة وبينهم، على ما قال- تعالى-: لَها شِرْبٌ ولَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ «2» . ثم إنهم عادوا لما نهوا عنه، واستحبوا الضلالة على الهدى.

وإن سلمنا أن المراد من الآية ما ذكروه من الاحتمال، غير أنه يمتنع حمل بعض ما ذكرناه من النصوص عليه؛ لأنه أثبت الهداية، والإضلال، وجعلهما متقابلين حيث قال: فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ومَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ «3» . والشرح، والضيق متقابلان، والشرح ملازم للهداية، والضيق ملازم للإضلال؛ فالملزومان متقابلان.

والهداية بمعنى الدعاء، وشرع سبل الخيرات، لا تقابل الإضلال بالمعنى المذكور؛ لتصور اجتماعهما.

ثم: وإن سلمنا إمكان حمل ما ذكرناه من النصوص عليه. غير أنه لا بد له من دليل، ضرورة أن ما ذكرناه حقيقة على ما تقدم.

(1) سورة فصلت 41/ 17.

(2) سورة الشعراء 26/ 155.

(3) سورة الأنعام 6/ 125.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت