ودعى إبراهيم عليه السلام قومه لعبادة الله: {وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} {العنكبوت: (16) } . [1]
ولذلك اهتم المسلمون ببيان مفهوم الإيمان بشكل كبير. فبين ابن تيمية أن الخالق سبحانه مختص"بِالْعِبَادَةِ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ: فَلَا يُعْمَلُ إلَّا لَهُ، وَلَا يُرْجَى إلَّا هُوَ، هُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي ابْتَدَأَكَ بِخَلْقِكَ وَالْإِنْعَامِ عَلَيْكَ بِنَفْسِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ وَمَشِيئَتِهِ وَرَحْمَتِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مِنْك أَصْلًا؛ وَمَا فَعَلَ بِكَ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ. ثُمَّ إذَا احْتَجْتَ إلَيْهِ فِي جَلْبِ رِزْقٍ أَوْ دَفْعِ ضَرَرٍ: فَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِالرِّزْقِ لَا يَأْتِي بِهِ غَيْرُهُ، وَهُوَ الَّذِي يَدْفَعُ الضَّرَرَ لَا يَدْفَعُهُ غَيْرُهُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ إنِ الْكَافِرُونَ إلَّا فِي غُرُورٍ} [الملك: 20] ، {أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ} [الملك: 21] . وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُنْعِمُ عَلَيْكَ، وَيُحْسِنُ إلَيْكَ بِنَفْسِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُوجِبُ مَا تَسَمَّى بِهِ، وَوَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ؛ إذْ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ؛ الْوَدُودُ الْمَجِيدُ؛ وَهُوَ قَادِرٌ بِنَفْسِهِ، وَقُدْرَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، وَكَذَلِكَ رَحْمَتُهُ وَعِلْمُهُ وَحِكْمَتُهُ: لَا يَحْتَاجُ إلَى خَلْقِهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ؛ بَلْ هُوَ الْغَنِيُّ عَنْ الْعَالَمِينَ {وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40] ، {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} [أبراهيم: 7] ، {وَقَالَ مُوسَى إنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ} [أبراهيم: 8] . [2] "
وأشار الجرجاني أنه قد نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق} . قال الجرجاني: وهذه الشهادة فرض تجمع الاعتقاد بالقلب والاعتراف باللسان. فالاعتقاد بالقلب والإقرار باللسان عملان يعملان بجارحتين، إلا
(1) نفسه، 7/ 273.
(2) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني (المتوفى: 728 هـ) :"مجموع الفتاوى"، تحقيق عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416 هـ/1995 م، 1/ 37.