الصفحة 20 من 42

المبحث الثاني: المناسبة بين الآيات في السورة

وتحته أربعة مطالب:

المطلب الأول: المناسبة بين الآية وما قبلها مباشرة:

وقد ظهر هذا النوع من المناسبة جليًّا عند الإمام البقاعي، فقد كان يعرض للآيات القرآنية واحدة واحدة، وكان يُظهر - مجتهدًا - وجه الارتباط بين الآية وأختها بنوع من الروابط البلاغية المعروفة، ومن ذلك ما تكون فيه المناسبة على أساس من الالتفات الذي يفيد التنكيت والتبكيت، فالالتفات من الأساليب البلاغية الرفيعة التي تُظهر المناسبة أيَّما ظهور، ومن فوائد هذا الأسلوب وخصوصيته التأثيرية على النفس أن يربط آية بآية أخرى قبلها على سبيل التنكيت والتبكيت، ومن هذا اللون ما يكون على سبيل الاستئناف التبكيتي الممزوج برائحة الالتفات؛ كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ} [البقرة: 159] ، وذلك بعد قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] [1] .

فآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ} ناسَبت ما قبلها، وهي آية: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ} ؛ ذكر البقاعي أنه لَمَّا تقدَّم كِتمان بعض أهل الكتاب للحق، وخَتْمُ ما أتبع ذلك - أي: الصفا والمروة - بصفتي الشكر والعلم، فالشكر لمن نصَح لله واتَّبع شرعه، فالله يعلم خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور، حتى وإن دقَّت الأفعال واستترتْ، وبالَغ القوم في كِتمانها وإخفائها، وبعد ذلك - أي: اتِّباع شرعه كاملًا، وشُكر من يقوم بذلك - انعطف الكلام لتبكيت المنافقين، وكذلك المصارحين، ولعَنْهم على كِتمانهم ما يعلمون من الحق [2] .

ومما سبق يتَّضح للناظر المتفحص كيف لَعِبَ أسلوب الالتفات التبكيتي دورًا كبيرًا في إظهار المناسبة بين الآية والآية التي قبلها.

وقد يأتي العطف الذي يفيد التشريف والتكريم وسيلةً من وسائل المناسبة بين الآية وما قبلها، ومثال ذلك قوله تعالى: وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا

(1) التناسب القرآني عند البقاعي؛ للدكتور مشهور موسى، ص 77.

(2) نظم الدرر؛ للبقاعي، ج 2، ص 272 - 273 بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت