فهرس الكتاب
هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ [الأعراف: 19] ، فقد جاء قبلها قوله تعالى: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ} [الأعراف: 18] .
ذكر الإمام البقاعي أن الله عز وجل لَمَّا أوجب للشيطان من الشقاوة لتمادِيه في حسد آدم وذُريته، وما كان من أمره بعد ذلك، وكثرة كلامه في محسوده - التفت الله عز وجل إلى محسوده الذي لم يتكلم فيه كلمة واحدة، بل إنه انشغل بنفسه واكتفى بجزائه، ورضِي بقضاء الله، فقال الله عز وجل - وقد عطف عطفًا تناسبيًّا معجزًا على الآية التي قبلها: {قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا .... } - قال: {وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ... } ، فكان هذا الالتفات الرباني فيه من التشريف والإيناس لآدم وزوجه ما فيه [1] .
فالناظر يجد نفسه أمام لوحتين معجزتين؛ الأولى: خاصة بإبليس اللعين، فالله عز وجل يذمه ويَطرده من رحمته وجنته، جزاء حسده الدائم لآدم، وفي المقابل في اللوحة الثانية التي تختص بآدم وزوجه، وهما قد رَضِيَا بحكم الله وصبَرَا، فوعدهما الله الجنةَ وسُكناها، والمناسبة هنا تتَّضح من العلاقة التي جمعت إبليس وآدمَ، فكلٌّ منهما كان في الجنة، فعصى إبليس وحسَد، ورَضِي آدم وانشغَل بنفسه، فاختلف الجزاء بين اللعن والطرد، وسُكنى الجنة، وأظهر هذا التناسبَ العطفُ والالتفات من قصة إبليس إلى قصة آدم.
النموذج الأول:
تعرَّض الإمام البقاعي لهذا النوع من المناسبة، ومثَّل لها بقوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} [البقرة: 158] .
يقول الإمام البقاعي:"لَمَّا كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم لم يَقصدوا بترك الطواف بينهما إلا الطاعة، فأُعلِموا أن الطواف بينهما طاعة، ولذلك عبَّر بما يفيد مدحَهم، فقال تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ} ."
(1) السابق نفسه، ج 7، ص 371، بتصرف يسير.