الصفحة 5 من 23

والتي لا تكاد تخلو منها جهود مفكرٍ، أو فيلسوف، أو شارحٍ، أو ناقد، سواء بمحاولة الجمع بين مصطلحين، أو المقاربة بين مفهومين، أو المصالحة بين اتجاهين، بل لقد انقسم تاريخ التراث الإنساني، والإسلامي على وجه الخصوص على هذه الجدليات - التي بعضها من بعض - انقسامًا مشهودًا.

ومن الملاحظ أنه رغم قدم هذه الجدليات، إلا أننا لم نلحظ مزاحمةً كبيرةً للمصطلحات القديمة بمصطلحات أكثر حداثةً، أو أعمق أصالةً، ومن باب أولى لم تتصدر مفاهيم، ولا مضامين، ولا قضايا هي أقدر على استيعاب إيقاع الزمن، وأسلَمَ منازعةً وجدلًا، كما في مسألتنا هذه، والتي لم نجد فيها مصطلحين آخرين مزاحمين لمصطلحي العقل والنقل، ولم نجد من ارتقى درجةً ونقل المسألة من المستوى الجدلي إلى المستوى الثقافي أو الاجتماعي أو الحضاري، أو بنى على النظرية فرضية جديدة، أو ضم للحقيقة حقائقَ أخرى ودلائل أقوى، بل غالب ما نراه فيه حظٌ كبير من إعادة وتدوير النزاع التاريخي بنفس الخنادق وذات البنادق، مع توهم استمرار ظروف نشأة الخلاف لكن بشخوصٍ جديدة! وهذا للأسف يعني أن العقول والجهود شابها شيءٌ من الكسل أو الجُبن والبخل، فلم تستطع الإبداع، ولا البناء، ولا النقض ولا الإبرام، ولا حتى التجاوز! بل تحولت المقولات الاجتهادية المتنازعة في هذه المسائل إلى ما يشبه الأدلة القطعية، والنصوص المرجعية القائمة مقام الحق واليقين!

وإني أعتقد أن جدلية العقل والنقل وما ينضم تحت لوائها من أهم فرص التجديد، لا باتجاه النقض بل باتجاه الإبرام لمصلحة الوعي القادم والمستقبل القريب، وألا يغلب علينا الجمود والتمجيد، في مقابل التجديد والتجويد، وقد تفطن لذلك بعض المفكرين المعاصرين، فمثلًا: يقول أبو يعرب المرزوقي عند حديثه عن فكر ابن تيمية الإصلاحي ونقده للجهود الإصلاحية التي وقفت عند الاجتهادات التاريخية ولم تتجه لجوهر الإصلاح الفكري:"هناك أمور عرضية ناتجة عن التزام ابن تيمية بالفعل التاريخي ودخوله في المعارك المباشرة التي خاضها والتي هي ليست جوهر فكره الإصلاحي بل هي مجرد استجابة لمتطلبات الظرف" [1] ، ومن ذلك في ظني مسألة العقل والنقل - رغم ما أبدعه ابن تيمية وغيره في الجمع بينهما - وهذا هو عينٌ ما أردناه هنا، وهو أن نعود لجوهر الصلة،

(1) - بتصرف: المرزوقي، أبو يعرب، مقال فكر ابن تيمية الإصلاحي وأبعاده الفلسفية، منشور 2014 على الانترنت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت