الصفحة 6 من 23

وأُس المسألة بعيدًا عن الإكراه الظرفي لجهود المعالجة والتنظير في زمنٍ ما، وأن نستنطق الوحي الخاتم، ونستلهم هدايته في العلاقة بين مراد الخالق وفهم المخلوق، وأن نبني على اجتهاد من سبق، وألا نقف عن الاقتراب من الصواب، ولا البحث عن أحق الحقين، وأصدق الصدقين، وأيقن اليقينين، وأن نكون على وعيٍ بظرفنا وبهداية ربنا وتنزيلها على واقعنا وحالنا، وألا نصاب بالجمود أو الغفلة، وألا يكون ظاهر وعينا هي حقيقة عِيّنا، ولا صورةُ إلهامنا هو جوهر إيهامنا!

ثانيًا: المفهوم:

إن دراسة مصطلحي الوحي والوعي من حيث الورود في معاجم اللغة، وفي استعمال القرآن والسنة، يثير التفكير، ويسترعي الانتباه، ويلفت الأنظار لجوهر هذه الصلة؛ إذ أن هذا التقابل اللفظي الرائع أصيلٌ وعميقٌ في المعنى والدلالة.

فمفهوم الوحي الخاص [1] المتعلق بالنبوة هو كما عبر عنه أهل العلم: بأنه كلام الله - تعالى - المنزَّل على نبي من أنبيائه، وإعلامهم بالشرع والدين، وهذا تعريفٌ له بمعنى اسم المفعول؛ أي: الموحى، وهو:"أن يُعَلِّمْ الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر" [2] أو كما عبر عنه بعض الدارسين بأنه:"إلقاء الله الكلام أو المعنى في نفس الرسول، بخفاءٍ وسرعة، بملك أو دون ملك" [3] .

وفي بحثنا هذا نعني الوحي المحمدي الخاتم قصرًا، وهو ما في القرآن أصالةً والسنة الصحيحة تبعًا وتبيانًا من: ألفاظٍ ومعاني، وأسماءٍ وأحكام، ودلالاتٍ وكمالات، ومطالب وغايات، وأمرٍ وخبر، ووعدٍ ووعيد، وما أشبه ذلك، وهو النص الإلهي الخاتم المهيمن الحاكم على كل نص {مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة: 48] .

هذا هو الوحي، وأما الوعي فأصله ضمُّ شيءٍ باستيعاب، كما يدل عليه مجمل استعمال العرب، وإن كان الخليل بن أحمد عَبَّرَ بالحفظ كأصلٍ لمادة الوعي [4] ، واللَّيْث [5] تكلم عن وعي مخصوص

(1) - أنظر مايقابله من الوحي العام، النبوات لابن تيمية (2/ 690) .

(2) - مناهل العرفان في علوم القرآن (1/ 63) .

(3) - عتر، د. حسن ضياء الدين، وحي الله، دار المكتبي، الطبعة الأولى 1419، (ص:98) .

(4) - العين (2/ 272) .

(5) - هو الليث بن نصر بن سيار الخرساني تلميذ الخليل بن أحمد وصاحبه، والذي أخرج كتاب العين للخليل وزاد عليه كما يرى بعض الباحثين على خلاف مايرى الأزهري من نسبة الكتاب إلى الليث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت