وهو: حفظ الْقلب للشَّيْء [1] ، وابن فارس حصر استعمال العرب لهذه المادة في أصل واحدٍ وهو ضَمِّ شَيْءٍ [2] ، إلا أننا بعد الدرس والمقارنة نستطيع القول: بأن الضم المراد في مادة الوعي هو ضمٌ مخصوص، وليس مطلق الضم، أو شيءٌ زائدٌ على مجرد الضم، لأن مطلق الضم يدل على الملائمة بين شيئين [3] ، أما الضم المراد في الوعي فهو القاصد للاستيعاب والإحاطة وهذا ما يدل عليه استعمال العرب لمادة (و ع ى) .
ومن حيث المفهوم فالوعي كما عَبَّرَ عنه بعض علماء التفسير بأنه: العقل عن الله، والانتفاع بكلامه، قال قتادة في قوله الله: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] ، قال:"أُذُنٌ عَقَلَتْ عن الله، فانتفعت بما سمعت من كتاب الله" [4] ، وعرفه بعضهم بأنه:"الفَهْمُ البليغُ" [5] ، وعرفه آخرون بأنه:"إدامة الحفظ وعدم النسيان من سامعٍ، لما رُزق من جودة الفهم وكمال العلم والمعرفة." [6] ، وليس الوعي مقتصرًا على الحفظ كما هو شائع، لأن الله تعالى تكفل بحفظ الوحي، وصرف هَمَّ النبي عليه الصلاة والسلام إلى طلب الزيادة في العلم بمعاني الوحي ومراداته، قال الله: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} [طه: 114] ، بل نُهي النبي عليه الصلاة والسلام عن العجلة في حفظ النص، لأن الله تكفل بجمعه في صدر النبي صلى الله عليه وسلم وإثبات قراءته في لسانه، بل وبيان ما أشكل عليه من أمره {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَك لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) } [القيامة:
(1) - تهذيب اللغة (3/ 166) .
(2) - مقاييس اللغة (6/ 124) .
(3) - مقاييس اللغة (3/ 357) .
(4) - الطبري، ابن جرير، جامع البيان في تأويل القرآن، ت شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420 هـ (23/ 579) .
(5) - المسالك في شرح موطأ مالك (3/ 390) .
(6) - المناوي، عبدالرؤوف بن تاج العارفين، فيض القدير شرح الجامع الصغير، المكتبة التجارية الكبرى، الطبعة: الأولى، (6/ 283) .