الصفحة 11 من 23

العبرة بالآذان الوعية، والبصائر الراعية، وأصحابها في الناس قليل، بل أقل القليل، لكنهم هم قادة الناس على الحقيقة، ونُظار الفكر بلا شك، والمؤثرون على التوجهات والأفكار، قال الزمخشري رحمه الله في تفسير قول الله: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] ، قال:"فإن قلت: لم قيل: أذنٌ واعية، على التوحيد والتنكير؟ قلت: للإيذان بأن الوعاة فيهم قلة، ولتوبيخ الناس بقلة من يعي منهم، وللدلالة على أن الأذن الواحدة إذا وعت وعقلت عن الله فهي السواد الأعظم عند الله، وأن ما سواها لا يبالى بهم باله وإن ملئوا ما بين الخافقين" [1] .

ثالثًا: الصلة الأولى:

ما أول الإنسان؟ ومن الإنسان الأول؟ هذان السؤالان رغم البداهة والضرورة والإلحاح الكامنة فيهما إلا أن كثيرًا من الفلسفات والنظريات قد قفزت عليهما، وتجاهلتهما بقصدٍ أو بدون قصد، ولكنّ قانون الأولية لم يقفز من الأذهان، ولم يخرج من العقول، ولم يُطمس من النفس البشرية، ولذا ففي مسألتنا هذه نسأل بكل وضوح: ما أول صلةٍ بين مراد الله وفهم الإنسان؟

وللجواب نقول بأننا لو تأملنا قصةَ آدم عليه السلام أول البشر، لوجدنا أنه بعد خلق الله له ونفخ الروح فيه، ألهمه الله وعلمه وخاطبه، ألهمه الأوليات والقوى الضرورية، وعلمه الأسماء كلها، وخاطبه بالأمر والنهي، وهذه كلها داخلةٌ في مفهوم الوحي الإلهي للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ومن هذه النقطة تحديدًا نكتشف جوهر الصلة، وأُس المسألة، وأصل العلاقة بين الوحي والوعي؛ إذ أن الوحي الأول هو خطاب الله تعالى لآدم، وبهذا الخطاب اجتمع الخلق والأمر الإلهي في آدم؛ فالله خلقه ونفخ فيه الروح، فتجلى فيه الكمال من جهة الخلق، ثم خاطبه وحيًا بالأمر والنهي والوعد والوعيد فتجلى فيه الكمال من جهة الأمر؛ وبقي على آدم الاجتهاد في الاتباع في كل حياته وحالاته، وهكذا انتقلت هذه العلاقة وهذه المعادلة إلى بني آدم، ولم ولن تنفك عنهم أبدًا؛ ولذا فإن كل موافقةٍ لمراد الخالق سبحانه في أمره تنطق بها ألسنة البشر أو تتجه لها مراداتهم أو تقع عليها أعمالهم، هي من بركة هذا الأصل وهذه الصلة، وهي دليلٌ على بقاء خِلْقَةِ الله وفطرته وأصل مراده

(1) - الزمخشري، جار الله أبو القاسم محمود، تفسير الكشاف، دار الكتاب العربي - بيروت، الطبعة الثالثة، (4/ 600) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت