وحكمته في النفوس التي لا يمكن أن تتبدل وإن طالها التغيير واجتيال الشياطين، قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله - تبارك وتعالى: (إِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَحَرَّمَتْ عَلَيْهِمْ مَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ، وَأَمَرَتْهُمْ أَنْ يُشْرِكُوا بِي مَا لَمْ أُنْزِلْ بِهِ سُلْطَانًا [1] .
هذه هي الصلة الأولى، التي ينبغي تدبرها وتأملها جيدًا، ويجب الانطلاق منها في بناء المفاهيم لنظام الوحي الإلهي والوعي الإنساني، وإن وصف الوحي الخاتم لاصطفاء الله لآدم وتعليمه وأمره ونهيه وابتلائه، واستخلافه في الأرض، واستجابته، وسلوكه في الجنة، ومعصيته، وتوبته، وتجليات قصة آدم عليه السلام وأبعادها لهي مفاتيح يقينية أولية لفهم علاقة الله بالإنسان، وصلة الوحي الإلهي بالوعي الإنساني، وإن كلَّ فلسفةٍ تتجاهل هذه الأوليات اليقينية التي دل عليها الوحي لتجد نفسها في مرحلة من المراحل مضطرةً إلى ابتداع ما يحل محل هذه الأوليات ويقوم مقامها من تصورات ظنية، ومفاهيم محتملة، تثمر جملةً من الفرضيات والمصطلحات المضطربة.
وإن وصف الوحي الخاتم لإهباط الله تعالى لآدم وزوجه وإبليس إلى الأرض هو مفتاح فهم قصة الإنسان في الأرض، ونشأة المجتمع البشري، وعلاقة الإنسان بظرفه المكاني والزماني والحالي، واجتهاده في الاستجابة لهدى الله تعالى وترجمة هداه ضمن هذا الظرف.
ولذا فإن النظريات التي لم تنطلق من مركزية قصة آدم ما قبل الإهباط إلى الأرض اضطرت لابتكار عالمٍ للمثل ومدنٍ خيالية للحق والخير والجمال، والنظريات التي لم تنطلق من مركزية قصة آدم ما بعد الإهباط اضطرت لابتكار أصل الوجود الإنساني في الأرض، والنظريات التي لم تنطلق من مركزية المستقر والمتاع وقعت في الجدليات الزمانية والمكانية، والنظريات التي لم تنطلق من مركزية العداوة مع الشيطان تباينت في تفسير الشر الواقع في العالم وتحديد العدو ومعيار العداوة، والنظريات التي لم تنطلق من مركزية الهداية الإلهية اضطربت في ابتكار مناهج ومفاهيم ومضامين بشرية لدلالة البشر على الكمالات والمعاني!
(1) - صحيح مسلم: كتاب الجنّة وصفة نعيمها، ح: 5109