الصفحة 13 من 23

وفي موضوع المعنى والمفهوم الملازم لكينونة الإنسان وحياته، نجد أن الإنسان منذ وُجِدْ وهو دائرٌ بين مطلوب من خارجه، ومرغوبٌ من داخله، وأعلى مطلوبٍ ما كان من الخالق سبحانه، وأَدنى مرغوبٍ ما طلبته النفس وسوس به الشيطان، فهو بين سلطتين، وبين خطابين، ويبقى فعلُ الإنسان واختياره مترددٌ بين ذا وذاك، وذلك بحكم سنةٍ وحكمةٍ كونية قدرية تجمع بين إلهية الخالق وعبودية المخلوق، وبين أمر الرب واختيار العبد، وبين الإلهام القسري والكسب الطوعي، وبين هداية الوحي واستجابة الوعي، وهذه العلاقة هي عينها ما يُفسر ما وقع لأبينا آدم عليه السلام في أول الأمر، قال الله: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 35، 36] .

ومع ظهور استقلال فعل الخالق وطلاقته، وتبعية فعل المخلوق ومحدوديته، وظهور التوافق بين الكوني والشرعي في هداية الوحي، إلا أن كثيرًا من الأطروحات الفلسفية ضخّمتْ الكلام عن حالات النشاز، وصور اختلال العلاقة، وكثيرٌ منها قائمٌ على افتراض التكافؤ أو التنازع بين طرفي العلاقة، فظهرت النظريات الوجودية التي لاتؤمن بالإله، والمادية التي لا تؤمن بالقدر، والعبثية التي لا تؤمن بالحكمة، والنسبية المطلقة التي لا تؤمن بقيمةٍ مركزية في الوجود، وظهرت منظوماتٌ معرفية فيها ألوانٌ من الوهم البشري المُنْبَتّ عن حقائق الوحي وهداية السماء، والتي لازال جديدها ينقض قديمها بشكلٍ يدعو لإعادة النظر في أصل العلاقة، وجوهر الصلة.

وحتى مع القفز على قانون الأولية، فإن العقول المنظِّرة قد دأبت على تعظيم منطقها، وتأصيل نظرها، وتعميق حالتها في الفكر الإنساني والكينونة البشرية بقدر استطاعتها، لأن العقول المستَقْبِلة لا تفتأ تقول لكل مُنَظّرٍ: من أين لك هذا؟ وما أصله البدهي؟ وما وجهه العقلي؟ وما أوله؟ وما آخره؟

ما أول الزمان؟ وما أول المكان؟ وما أول الإنسان؟ وما أول الهداية؟ وما أول الوعي؟ هذه أبرز الأسئلة المركزية التي شغلت الفكر الإنساني على الإطلاق، ولأن الإنسان ليس خلق نفسه، ولا مصدر ذاته، ولا منبع هدايته، فإنه بطريق الاضطرار يعود في تفسير الكينونة للعلاقة بينه وبين قوةٍ وسلطةٍ خارجةٍ عنه، ويظل يحاول الجمع بين الحقائق الماثلة أمام بصره وبين ما يرى أنه الحق في بصيرته، لكنَّ ابتعاده عن هداية الوحي - في كثير من المحاولات التفسيرية والتنظيرية - يقع في محاولة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت