الصفحة 14 من 23

الترجيح بين أقوال نُظَّارٍ سبقوه في محاولة الجمع بين طرفي العلاقة، ويجد نفسه في الغالب بين ثلاث طرائق تفسيرية، اثنتان منهما حدية، والثالثة توفيقية، فالأولى طريقة من شعر بالعجز في أمام القوى المطلقة، فانطلق من مشيئة الخالق وتجاهل كينونة المخلوق، وضدها طريقة من وثق في قوة الذات، فعظم العقل -كما يدعي- وتجاهل واهب العقول والمعقول! والثالثة الطريقة التوفيقية وهي التي حاولت الجمع بين سلطة ومنطوق الخالق من جهة، وسلطة ومنطق المخلوق من جهة أخرى، فأعملت فكرها في النص المقدس السماوي أو ما يسمى النقل، وفي التصور والانطباعات البشرية أو ما يسمى العقل، وحاولت التوفيق والمصالحة بينهما.

والطريقة التوفيقية هذه موجودة في الأديان والفلسفات كلها، إلا أنها متفاوتة -إسلاميًا- بين تقديم النقل - كما يسمونه - وتفويض المعنى، أو تقديم العقل وتأويل النص، أو التأكيد على عدم التعارض بين النقل والعقل، وتوجيه الجهد لطرائق الجمع وهذا هو أفضلها وأصحها، لكننا لو فكرنا في جوهر الصلة التي بُني عليها هذا التوفيق لوجدنا أنها صلةٍ افتراضيةٍ ليست حقيقية، وعلاقة مغلوطة وليست يقينية، وعليها كان تناول هذه المسألة هو عبارةٌ عن جدل عريض ممتد.

وفي الحقيقة أننا لو نظرنا في الوعي الإنساني لوجدنا أنه ليس منبتًا عن الوحي الإلهي وليس مستقلًا عنه بحال من الأحوال؛ وذلك بحكم الكينونة وقانون الخلق {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] ، {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14] .

إن الإنسان بحاجة للتجديد عمومًا، وفي المفاهيم المركزية على وجه الخصوص، بحاجة للتجديد الذي يقربه من الحقائق ويباعده عن الأوهام، ويكشف له البصر ويجلي له البصيرة أكثر من ذي قبل ليرى الواقع ويهتدي للمتوقع، ولا تجديد إلا بالعودة لأصل الكينونة، وأول الأمر، ثم النظر في المفاهيم والمقاربات التاريخية وتقييم علاقتها بالكينونة، وفاعليتها للظرف الكائن، وصلاحها لما سيكون، عنئذٍ لا وصاية إلا للحق، ولا نكاية إلا في الباطل، وما بينهما مجال متفاوتٌ للنظر والاجتهاد المتجدد، ومتسعٌ للوعي والفكر المستوعب، الذي يقترب بحسب اجتهاده من الحق والحقيقة في زمان دون زمان، ومكان دون مكان، وحالٍ دون حال.

إن الوحي هو مصدر أوليات الإنسان والحياة والكون، ومن رحمة الله بنا أن تكون هذه الأوليات مدعومةً بنظمٍ عدة، فالخلق نظام، والتسوية نظام، والروح نظام، وتعليم الأسماء نظام،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت