القياد في الطبائع والشرائع لا يكون إلا لجهةٍ ممايزةٍ عن العقل البشري ومتقدمةٍ عليه، لا أن يكون الإنسان ذاته هو من يبدع قياد ذاته، إذ أنه عند افتراض ذلك يبرزُ سؤال كبير: أي عقلٍ له القياد؟ وأي إنسانٍ هو الأول؟ وأي ميزانٍ هو الحَكَمْ؟! و لذا فإن الجدليات التقليدية في زحمة التدافع الفكري والفلسفات الشمولية افترضت بأن العقل في مقابل النقل، وتوهمت الإنسانَ في مقابل الله، وابتلعت مقدمةً مغلوطة، وهي: أن فعل المخلوق يمكن أن يستقل عن إرادة الخالق، وأن فَهْمَ الإنسان مُنبَتٌ عن مراد الله، وعليه كان الجدل عبر التاريخ في محاولة الجمع بين طرفين متكافئين ومحاولة تَبيُن التابع من المتبوع! ومعرفة القياد هل هو أرضيٌ أم سماوي؟! وبيان المساحة المستقلة لكل طرف وتوزيع السلطة والنفوذ بينهما، فماذا لله وماذا لقيصر؟! وبعض المنظرين جعل الخالق والمخلوق في رتبةٍ واحدة، ثم افترض التنازع بينهما، ثم تجرأ وقدم المخلوق على الخالق! والبعض الآخر أكل الطُعم وبدأ يمارس دور الوساطة بين الخالق والمخلوق، وبعضهم وجد نفسه وجهده ونتاجه الفكري في المصالحة بين الطرفين! وبعضهم انتهى به المطاف إلى فصل الأرض عن السماء، أو إلى اختزال الله في البركة، والإنسان في الحركة!
مع أن المعادلة ليست كذلك .. المعادلة ليست بين متكافئين في القوة، ولا متساويين في العلم، ولا متماثلين في القدرة، ولا متشابهين في الإرادة، المعادلة الصحيحة هي بين خالقٍ ومخلوق، وكاملٍ وناقص، وقادرٍ وعاجز، وقويٍ وضعيف، ومطلقٍ ونسبي، ومهيمنٍ ومحدود؛ ولذا فالنظر لهذه الجدليات لابد أن يكون على أساس ذلك، ولابد أن يتحول الجهد من محاولة الجمع بين الخالق والمخلوق، إلى المقارنة بين المخلوقين في ضوء هيمنة الخالق، وعندها نقول: أي عقل هو أقرب لمراد واهب العقول؟ وأيُّ وعيٍ بشري هو أوعى للوحي الإلهي؟ وأي استجابة هي أمثل لمراد الآمر سبحانه؟ ونحو هذه الأسئلة، ونعرض لكل جدلية تاريخية فنطبق عليها هذا المنطق وهذه المعادلة:"نمايز بين الخالق والمخلوق وننطلق من ثلاثية الأطراف لا من ثنائيتها"فليس الله والإنسان طرفي معادلة، بل الله حَكَمٌ بين الإنسان والإنسان، وأن يكون الوحي في مكان العلو، وتصبح المعادلة بين عقلٍ وعقل،