وفهمٍ وفهم، أيهما أوعى للوحي؟ وأيهما أكثر استيعابًا للظرف المستنطق لهداية الوحي؟ وأيهما أقدر على التفاعل الظرفي بثنائية الوحي والوعي؟ ونتيجة هذه المعادلة بالطبع ليست في طرفين وحدين فقط، يمينٌ ويسار، لا، بل في طرفين وبينهما درجات متفاوتة، فهذا الوعي أقرب من هذا، وهذا الوعي أبعد من هذا، وذلك لأن المسألة كما ذكرنا حيوية متجددة نسبية على الدوام، والحق، والوحي، ومراد الله تعالي يقترب الناس منه في ظرفٍ دون ظرف، وحالٍ دون حال، وأوفرهم حظًا من كان متجدد القرب كلما تجدد الظرف والحال.
ولذا عندما نعرف الوعي تعريفًا مجردًا نقول بأنه: إدراكٌ كليٌ، مستوعبٌ للمعاني المرتبطة بالذوات والبيئات والعلاقات، يبعث على القيام بالواجب وأداء الحق باستمرار وحيوية.
وهو مفهومٌ يقصد للمعاني الكلية، ولا يهمل التراكيب الجزئية، وبين الوعي والعلم وفاقٌ وافتراق، فهو مرادفٌ له في الجملة، لكن هناك فرقٌ بين مطلق العلم بالشيء والوعي به، فمطلق العلم أوله: ارتفاع الجهل الجزئي، وقانونه السلطان والحُجة والبرهان، وغايته الأظهر والأقرب الخشيةُ، إذ أنه كلما زاد فضاء علم الإنسان انحسرت رقعة المجهول لديه، وقام باعث الاعتراف بالخالق المدبر العليم الخبير وسعة علمه وإحاطته فيثمر ذلك تواضعًا وخشية في نفس الذات العالمة ولابد.
وأما الوعي فأوله العلم الكلي بالشيء على وجه الاستيعاب، وقانونه الفهم المتجدد بتجدد الهدية والدراية، وغايته الأظهر والأقرب البصيرة، إذ كلما تجلت الكليات وتجمعت في الذهن، ظفر الإنسان بما يَلُمُّ عقله وشتاته بنواميس وقوانين منسجمة تحكم عالمه المتنوع والمتمازج، ومع تعاضد هذه الكليات، وانتظام هذه القوانين يمنح الإنسان خبرةً وبصيرةً وتذكرةً في التعامل مع ما فوقها حجمًا، وما بعدها وقوعًا، ولذا قال الله تعالى {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] ، بعدما قص علينا قصة ثمود وعاد وفرعون ومن قبلهم، والمؤتفكات بالخاطئة وما حصل لهم، والوعي المطلوب هنا ليس لازمُهُ العلم التفصيلي بأخبار هذه الأقوام، بل شرطه العلم الكلي الذي ينقلك من التصديق والتحقق إلى المقصود والمعنى الحق وهو العبرة والاتعاظ والتذكر، وذلك أن قانون العلم التمييز، وقانون الوعي الترميز القاصد للمعنى المشترك، فإذا أردت العلم بشيءٍ فلابد أن تميزه عن غيره، وكلما زاد تمييزك له عن غيره زاد علمك به، ولذا فإن العلم يجنح للسؤال عن الجزئي والتعمق فيه وسبر أغواره، ويعتمد على الحفظ وأدواته أكثر من اعتماده على الفهم وأدواته، أما أن تتحول