الصفحة 18 من 23

هذه الأشياء لتصبح جملةً ملمومةَ الشتات ومعنى ً كليًا ورمزًا للدلالة على أمرٍ حيوي مستمر يصدق على كل مثال قادم مهما انقطع سبب المثال الأول أو داعيه فهذا هو الوعي.

فتمييزك لمكان عن مكان، وزمان عن زمان، وحال عن حال، هذا علمٌ بالمحددات المكانية والزمانية والحالية، لكن أن يتحول المكان أو الزمان أو الحال ليصبح رمزًا للدلالة على معانٍ ومراداتٍ كليةٍ مقصودةٍ تبقى في الذهن حاضرةً مستمرة وإن غابت محدداتها الثلاث فهذا وعيٌ، وارتباطٌ بالكلي حتى مع غياب الجزئي، وهو مرتبة فوق العلم ولاشك، وتأمل معي حديث أبي بكرة رضي الله عنه، قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر، قال: «أتدرون أي يوم هذا؟» ، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: «أليس يوم النحر؟» قلنا: بلى، قال: «أي شهر هذا؟» ، قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال «أليس ذو الحجة؟» ، قلنا: بلى، قال «أي بلد هذا؟» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال «أليست بالبلدة الحرام؟» قلنا: بلى، قال: «فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟» قالوا: نعم، قال: «اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض» [1] ، وأني لأجد في هذا الحديث الشريف بُغيتي ومرادي في التفريق بين العلم والوعي؛ أذ أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد ايصال معنى كلي حيوي مستمر، هو من جوهر البلاغ النبوي الذي يُشهد أمته عليه، ألا وهو"إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام"، ولذا لم يقصد للإدلاء بهذه المعلومة مباشرةً، بل ربطها ربطًا ثلاثيًا بالوعاء الذي قُدّر لابن ادم العيش فيه، ربطها بالحال"يومكم هذا"الذي هو يوم النحر، والمقصود أن أظهر حالهم في هذا اليوم هو نحر الهدي والأضاحي، ولذا سمي ب"يوم النحر"، وبالزمان"شهركم هذا"، وبالمكان"بلدكم هذا"، ليصل بهذا الثلاثي الظرفي إلى المعنى والغاية والمقصود الكلي:"إن دمائكم وأموالكم عليكم حرام"، وما هذه الثلاث مجتمعة إلا رمز لهذا التحريم إذ أنها محرمة في ذاتها، فذي الحجة من الأشهر الحرم المميزة عن باقي الأشهر بالتحريم، ومكة محرمةٌ عن باقي البقاع، والحاج متلبسٌ بالإحرام حتى يؤدي النسك فيصبح حلالًا، ولذا فعلم الصحابة رضوان الله عليهم بمكانهم وزمانهم وحالهم هذا علمٌ أول، وسماعهم لحديث رسول الله صلى

(1) - صحيح البخاري (2/ 176) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت