الصفحة 10 من 23

جماعة من أئمة الحديث، لا يرون إبدال اللفظ ولا تغييره، حتى إنهم يسمعونه ملحونًا ويعلمون ذلك، ولا يغيرونه، وذلك هو الأحوط في الدين، والأتقى والأولى، ولكن أكثر العلماء على خلافه، والقول بالجواز هو الصحيح، فإن الحديث كذا وصل إليهم، مختلف الألفاظ، متفق المعنى، ونعلم قطعًا في أحاديث كثيرة ذكرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت واحد، ونقلها الصحابة بألفاظهم المختلفة" [1] ."

هذا هو مفهوم الوعي في مقابلة الوحي، وهو بمعنى ضمُّ النص وحفظه وفهم المعنى واستيعابه، والناس في ذلك درجاتٌ متفاوته، ولذا وجب عليهم نقل العلم والتبليغ وتوسيع دائرة من يصل إليه الوحي ومن يسمع به، لعله أن يصل إلى من هو أكثر وعيًا من النقلة، فيستنطق لفظه، ويستلهم روحه، ويثوره، ويستخرج كنوزه، ويفيض بمعانيه على نفسه، ويسقي من حوله، فتحيا الأرض بنور ربها، وهدايات خالقها، {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] .

وقد كان كثير من الرواة من الصحابة ومن بعدهم يعبرون بالوعي للدلالة على قوتهم في الرواية والدراية والتوثيق والنقل عن رسول الله بإدراك وفهم، فيقولون عند التحديث"سمعته أذناي، ووعاه قلبي"كما وقع من عبدالله بن عمرو بن العاص، وسعد بن أبي وقاص، وأبي بكرة، وعمرو بن عبسة، وأبي شريح العدوي [2] ، وأُشتهر عن قتادة رحمه الله أنه كان يقول:"ما سمعت أذناى شيئا قط إلا وعاه قلبي" [3] .

يقول الحافظ بن حجر رحمه الله في قولهم"وعاه قلبي":"تحقيق لفهمه وتثبته، وقال: ويؤخذ من قوله"ووعاه قلبي"أن العقل محله القلب" [4] .

(1) - جامع الأصول (1/ 102) .

(2) - أنظر جامع الأصول، الأحاديث رقم: 2050 - 5025 - 7021 - 8400

(3) - الترمذي، محمد بن عيسى، سنن الترمذي، ت بشار عواد، دار الغرب الإسلامي، 1998، (6/ 244) .

(4) - فتح الباري شرح صحيح البخاري (178/ 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت