الصفحة 9 من 23

بخلاف الثاني فإنه على حالته المعهودة" [1] ، وفيه دلالة على شرف حالة الوعي البشري في تلقي الوحي الإلهي، حتى عندما يتمثل الملك في صورة رجل يكلم النبي عليه الصلاة والسلام بالوحي فإن حاله عليه الصلاة والسلام هي أيضًا الوعي."

هذا الوعي المتعلق به صلى الله عليه وسلم، والموصوف به عند تلقيه للوحي، وهو المطلوب في حق من هم دونه صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} [الحاقة: 12] ، بعدما قص علينا وحيًا من أخبار الأمم السالفة، فالوعي في فعل"تعيها"، وفي صفة"واعية"، دليلٌ على أن الوحي بعمومه، والإخبار عن الغيب لا يُتلقى إلا بالوعي، و"الوعي توصف به الأذن كما يوصف به القلب، يقال قلبٌ واعٍ، وأذنٌ واعية، لما بين الأذن والقلب من الارتباط؛ فالعلم يدخل من الأذن إلى القلب، فهي بابه، والرسول الموصل إليه العلم، كما أن اللسان رسوله المؤدى عنه، ومن عرف ارتباط الجوارح بالقلب علم أن الأذن أحقها ان توصف بالوعي وأنها إذا وعت وعى القلب" [2] .

الوعي هو المطلوب الأول أيضًا ممن سمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لحديث: «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه وليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» [3] .

ولأن المعنى هو المقصود من النص، أكد العلماء على الفهم والوعي والاستيعاب لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع حرصهم على اللفظ بطبيعة الحال، إلا أن السنة ليست كالقرآن في حفظ ألفاظها، ولذلك جاءتنا المعاني بألفاظٍ مختلفة عن الأئمة الثقات، بل جوز بعضهم نقل المعنى وإن اختلف اللفظ، وهو أحد المذهبين المشهورين عن الأئمة، قال ابن الأثير رحمه الله:"وعلى ذلك"

(1) - ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، 1379، عناية وترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي (1/ 21) .

(2) - ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر، مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، دار الكتب العلمية، (1/ 125) .

(3) - الجزري، ابن الأثير، جامع الأصول في احاديث الرسول، ت عبد القادر الأرنؤوط، مكتبة الحلواني الطبعة الأولى، (1/ 100) ، قال المحقق: أخرجه الترمذي رقم 2659، وابن ماجة 1/ 84 من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وإسناده صحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت