الصفحة 8 من 23

16 -19]، إذًا فالتعبير عن الوعي بالحفظ فيه تساهل، أو اقتصارٌ على ماله أولوية في عصر الحفظ والتدوين، أما لو نظرنا في حال النبي صلى الله عليه وسلم في تلقي الوحي لوجدنا أنه دائرٌ بين ثلاثة أفعال: الإصغاءُ والاستماع أولًا، ثم الوعي ثانيًا، ثم التبليغ والأداء والبيان لما أشكل ثالثًا، ولو تأملنا في هذه الأفعال لوجدنا أن الإصغاء شرطٌ للوعي، والوعيُ موجبٌ للتبليغ، وعليه فالمدارٌ والمحور هو الوعي، ولذا قال صلى الله عليه وسلم:"فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع" [1] ، لأن الغاية المقصودة هي البلاغ لمضمون ومعاني الوحي، وغاية البلاغ أن يصل الوحي نصًا إلى من هو أوعى، فنضمن بقاء حيوية الوحي، وفاعلية الوعي على تجدد المكان والزمان والحال.

ومادة (و ع ى) في معجم الحديث الشريف وردت بصيغ متعددة [2] ، وبعض ما ورد يدل على أن وعيَ النبي صلى الله عليه وسلم هو حالة كمال بشري في تلقي الوحي، فعن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، أن الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول» قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا. [3]

يتنزل الوحي على النبي عليه الصلاة والسلام في صور شتى أشدها أن يكون مثل صلصة الجرس، فيكون السمع هو المنفذ الأول والأهم لعلوم الوحي خاصة، وبعده الفهم والعَقْلُ والحفظ، لكن التعبير بالوعي في الحال التي يكون عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن يفصم عنه الوحي له دلالةٌ خاصة لاسيما وقد ورد الوعي بصيغتي الماضي والمستمر، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر:"وقد وقع التغاير في الحالتين، حيث قال في الأول وقد وعيت، بلفظ الماضي، وهنا فأعي، بلفظ الاستقبال؛ لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني حصل حال المكالمة، أو أنه كان في الأول قد تلبس بالصفات الملكية فإذا عاد إلى حالته الجبلية كان حافظًا لما قيل له، فعبر عنه بالماضي"

(1) - صحيح البخاري (2/ 176) .

(2) - أنظر مثلًا: مطالع الأنوار على صحاح الآثار، أبو إسحاق ابن قرقول (المتوفى: 569 هـ) (6/ 226) .

(3) - صحيح البخاري (1/ 6) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت