أن يسكته ويُكمل هو، ويُمسك دفة الحديث، ولا يبالي بمشاعر المتحدِّث [1] ، ولنقرأ بعض الآيات من كتاب الله يتجلَّى فيها أدب الاستماع، وفنُّ الإنصات، يقول سبحانه حاكيًا على لسان نبيه سليمان عليه السلام: {قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} [النمل: 38] ، فسليمان عليه السلام أخذ بتوجيه سؤال لمن حوله، ثم أحسَنَ الإنصات واستمع للإجابة، فكانت إجابة الأول: {قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] ، مع أن الجواب يكفي من دون قوله: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ} [النمل: 39] ، ومع هذه الإضافة التي مدح فيها العفريت نفسه، إلا أن نبي الله سليمان أرهف له السمع وتركه يتكلم حتى أتمَّ كلامَه.
ثم أجاب الثاني: {قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 40] ، فمِن هذا المثال القرآني البديع، وغيره كثير، يتبيَّن لنا أهمية الاستماع، وحسن الإنصات، وأن له شأنًا وقيمة كبرى في التعامل مع الآخرين، وكسب ودهم، والدخول معهم في علاقات طيبة ومثمرة [2] .
-جاءني أحد الإخوة، يشكو اثنين من أبنائه، في سوء سلوكهم، فقلت: إذا جلستَ معهم في السيارة، افتح موضوعًا، واستمع إلى كلامهم، وأنصت لهم، ولا تتبرَّم، وقدِّر رأيهم، وأخبِرْني بعد ذلك ماذا يحدث! وكلَّمَني بعد يومين أو ثلاثة، وقال لي: أبشِّرك تحسنت الأمور بيني وبين الأبناء.
-أحد الإخوة عرض عليَّ رؤيا طويلة، فقلتُ له: إن الود بينك وبين زوجتك معدومًا، أو شبه ميِّت، فقال لي: صحيح، وقلتُ له: إن لغة التفاهم بينك وبين زوجتك تتسم بالغلظة والقسوة، فقال لي: صحيح، وقلت له: أنت تدخل مع زوجتك في حوار، لكن تخرجان منه بمشاكل محمَّلة بأعاصير وثورات، تستمر أيامًا، فقال لي: نعم، مع أن هذا الرجل أعرفه لفترة طويلة بخُلُقه وأدبه الرفيع، لكن - يا سبحان الله - يوجد على شاكلته الكثير، الذي يكون مع الناس كالحَمَل الوديع، ومع زوجته وأبنائه كالثور الهائج، يقول حبيبنا صلى الله عليه وسلم: (( خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي ) ) [3] .
(1) ... كيف تحاورين؟ لعبلة الهرش ص 62.
(2) ... تعلَّم كيف تحاور ص 24 للمؤلف بتصرف (منشور في النت موقع صيد الفوائد) .
(3) ... سنن الترمذي 3895، سنن ابن ماجه 1977، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع 3314.