هذه قصة حقيقية تُرجمت إلى (فيلم) تتحدث عن شاب أمريكي، تحول من عامل لغسيل الصحون بأحد المطاعم إلى معالج نفسي شهير، والسبب وراء ذلك يعود إلى ميزات يتمتع بها هذا الشاب، وهي (فن الإصغاء) ، لقد اكتشف هذا الشاب أن عنده مهارة ذاتية، فوجد أن الكثير من زملائه وأصدقائه تُحلُّ مشاكلهم بمجرد طرحها عليه، فكان دوره في كل مرة هو: الإصغاء، ولا شيء سوى الإصغاء، مع استخدام تعابير الوجه.
فلو دمعت عينا الطرف الآخر، دمعت عيناه، ولو ضحك، ضحك هو.
فأخذَت تتحسَّن أحوال من يأتون إليه؛ بمجرد أن ينصت لهم وتسمَّى (الفضفضة) ، ثم بعد ذلك طرأت عليه فكرة أن يكون معالجا نفسيًّا، عندها قام بتزوير شهادة (معالج نفسي) ، وترك بلدته إلى بلدة أخرى؛ حتى تضبط الأمور معه، وكسب من ذلك الملايين، إلى أن اكتُشف أمرُه، ورُفعت أوراقه للمحكمة، ولكن خُفِّف عليه الحكم؛ بسبب وقفة المرضى الذين عالجهم، وشُفُوا على يده [1] .
-كنت خارجًا من المسجد بعدما صليتُ بالجماعة، وإذا بأحد المأمومين؛ يسلِّم عليَّ، ويطلب منِّي أن أستمع إلى مشكلته، فقلتُ: تفضَّل هات ما عندك، قال لي: منذ ثلاثة أيام وأنا لا أنام؛ وإنما أغفو قليلًا، والكوابيس تطاردني؛ لأني دعست قِطَّة، قلت: هل قصدت دعسها؟ فحلف بأغلظ الأيمان إنه لم يقصد، بل حاول الابتعاد عنها، قلت: لا عليك، وإذا به يقول: لقد أرَحْتني، وإني أحس الآن بطمأنينة، لقد أزلتَ ما في نفسي من همٍّ، إنَّ عرْضَ المشكلة وحدها كفيل - بإذن الله - بالتخفيف عن الطرف الآخر، بل وكسب ودِّه؛ لأنه يجد من يشاطره الهم، ويشاركه في المعاناة.
وحسن الإنصات: مبدأ من الأهمية بمكان في الحوار؛ لأنك بحسن الإنصات ستكسب الطرف الآخر، وهو فن عظيم من فنون التعامل مع الآخرين، وكما هو أدب من آداب الحوار، فهو أيضًا أدب مطلوب من آداب الحديث؛ لذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( اسْتَنْصِتِ الناسَ ) ) [2] .
ومما يلاحظ أن الكثير من المجالس مع الآخرين لا يراعى فيها آداب الاستماع، وحسن الإنصات، فما أن يبدأ شخص ما في طرح فكرة معيَّنة، حتى يقوم آخر باقتحام الحديث عليه، والأشرُّ من ذلك
(1) ... مقال د. علي بن صحفان الزهراني، جريدة الرياض 24/ 10/1429 هـ، عدد 14732.
(2) ... صحيح مسلم 188.