{وَلَكِنْ} اللهُ جَمَعَكم في وادٍ واحد على غير ميعادٍ {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} - أي لابد مِن وقوعه - وهو نَصْر أوليائه وخِذْلان أعدائه {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ} من المشركين {عَنْ بَيِّنَةٍ} : أي عن حُجَّةٍ ظهرتْ له وقطعتْ عُذره أمامَ اللهِ تعالى، إذ اتضَّحَ له - بعدما رأى الآيات يوم بدر - أنّ المشركين على باطلٍ وضلال، ثم رَضِيَ بذلك الباطل واستمر عليه، {وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} : يعني ولِيحيا مَن نجا مِن المشركين عن حُجَّةٍ ظهرتْ له، فعَلِمَ ساعتَهَا أن الإسلامَ حق، وأن الرسولَ حق، وذلك بما أرَى اللّهُ الطائفتين من الأدلة والبراهين، ما يَتعظُ به المشركون، ويَزدادُ به الذين آمنوا إيمانًا، {وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ} لأقوال الفريقين، {عَلِيمٌ} بأفعالهم.
الآية 43: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا} : أي اذكر - أيها الرسول - حينما أراكَ اللهُ قِلَّة عدد عدوك في منامك، فأخبرتَ المؤمنين بذلك، فقَوِيَتْ قلوبُهم، واجترأتْ على حَرْبهم، {وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَفَشِلْتُمْ} أي لَتردد أصحابك في مُلاقاتهم، ولَخافوا مِن لقائهم، {وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ} : أي ولاَختلفتم في أمر القتال، {وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ} من الفشل، ونجَّاكم مِن عاقبةِ ذلك، {إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} : يعني إنه سبحانه عليمٌ بخفايا القلوب وطبائع النفوس.
الآية 44: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} : يعني واذكروا أيضًا حينما ظهر أعداؤكم في أرض المعركة، فرأيتموهم قليلين فاجترأتم عليهم، {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} : يعني وقلَّلكم ربكم - أيها المؤمنون - في أعين المشركين، ليتركوا الاستعداد لِحَربكم (هذا قبل الالتحام، أما بعد الالتحام فقد رأى المشركونَ المؤمنين مِثلَيْهِم - أي يَزيدون عليهم في العدد زيادة كبيرة تبلغ الضِعف -، وذلك حتى تتم هزيمتهم) .
? وقد كان ذلك التدبير الإلهي {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} : أي ليتحقق وَعْدُ اللهِ لكم بالنصر، فإنه سبحانه إذا قضى أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ} : يعني وإلى اللهِ وحده تصير الأمور كلها، فما شاءَ منها كان، وما لم يَشأهُ لم يكن، فليس لأحدٍ فيها تأثير إلا بإذنهِ سبحانه.
الآية 45: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً} يعني إذا لقيتم جماعةً مِن أهل الكفر قد استعدوا لقتالكم {فَاثْبُتُوا} ولا تفِرُّوا منهم، وكونوا في صمودكم كالجبال الشامخة {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا} مُكَبِّرينَ داعينَ مُتضَرِّعينَ لإنزال النصر عليكم {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} : أي لكي تفوزوا بالنصر في الدنيا وبالجنة في الآخرة.