{وَقَالَ} يوسف لأبيه: {يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ} أي: هذا السجود هو تفسير رؤياي التي قَصَصْتُها عليك مِن قبل في صِغَري، {قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا} أي صِدقًا، {وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ} : أي قد تفضَّلَ اللهُ عليَّ حين أخرجني من السجن {وَجَاءَ بِكُمْ} إليَّ {مِنَ الْبَدْوِ} أي من البادية (وهي هنا: صحراء الشام) ، وذلك {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} : أي مِن بعد أن أفسد الشيطان رابطة الأخُوّة بيني وبين إخوتي، {إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ} في تدبيره {لِمَا يَشَاءُ} أي لمن يشاءُ من عباده (كما لَطَفَ بي (، {إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ} بمصالح عباده، {الْحَكِيمُ} في أقواله وأفعاله.
?ويُلاحَظ أنّ يوسف عليه السلام قد جعل نفسه طَرَفًا في القضية عندما قال: (نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي) ، وذلك حتى لا يُحرج إخوته أمام الناس، فما أروع هذا الأدب الراقي!
?ثم دعا يوسف ربه قائلًا: {رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ} : أي أعطيتَني مِن مُلك مصر {وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} : أي علَّمتني من تفسير الرؤى وغير ذلك من العلم، {فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ} أي يا خالق السماوات {وَالْأَرْضِ} {أَنْتَ وَلِيِّي} : يعني أنت مُتولي جميع شؤوني {فِي الدُّنْيَا} {وَالْآَخِرَةِ} أي: فكذلك كُن مُتولي أمْري في الآخرة بإنجائي من النار وإدخالي الجنة، {تَوَفَّنِي} إليك {مُسْلِمًا} (وفي هذا دليل على أنّ دينَ اللهِ واحد - في كل زمان - وهو الإسلام، الذي هو الاستسلام والانقياد والخضوع التام لأوامر اللهِ تعالى، ولكنّ الشرائع هي التي تختلف) ، {وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} - من الأنبياء والأبرار - في أعلى درجات الجنة.
الآية 102: {ذَلِكَ} أي المذكور من قصة يوسف عليه السلام هو {مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ} - أيها الرسول - {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} : أي ما كنتَ حاضرًا مع إخوة يوسف حين دَبَّروا أمْرَ إلقاءه في البئر، وحينَ كذبوا على أبيهم (وهذا يَدُلّ على صِدقك، وعلى أنّ اللهَ يُوحِي إليك) .
الآية 103، والآية 104: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} أي: ما أكثرُ الناس بمُصدِّقيك - أيها الرسول - ولو حَرَصْتَ على إيمانهم، وذلك لأنّ الانقياد للحق يَتعارض مع انقيادهم لشهواتهم وأغراضهم الدنيوية الرخيصة (إذًا فلا تَحزن عليهم، لأنه ما عليك إلا البلاغ) ، {وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ} يعني: إنك لم تَطلب منهم أجْرًا على إرشادهم للإيمان - حتى لا يكون ذلك سببًا في إعراضهم عن دَعْوَتِك - {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} يعني: ما الذي أُرسِلتَ به - مِن القرآن والهُدى - إلا مَوعظة وذِكرَى للناس أجمعين، فبالتفكر فيه يَهتدون إلى الحق، وباتِّباعه يَسعدون في الدنيا والآخرة.
الآية 105: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ} يعني: وكثير من الدلائل - على وحدانية اللهِ وقدرته - مُنتشرة {فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} كالشمس والقمر والجبال والأشجار، {يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} أي يُشاهدها المشركون {وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ} لا يَتفكرون فيها، ولا يَعتبرون بأنّ المُتفرِّد بالخَلق - سبحانه وتعالى - يَجب إفرادُهُ أيضًا بالعبادة.