الصفحة 6 من 26

? ولمَّا ذهب المسافرون بيوسف إلى"مصر"اشتراه منهم أحد وزرائها، {وَقَالَ} هذا الوزير {الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ} يعني أحسِني معاملته، وأكرِمي إقامته عندنا {عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا} : أي لعلنا نستفيدُ مِن خِدمته {أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا} : يعني أو نُقيمه عندنا مقام الولد (وقد قال ذلك لأنه لم يكن له ولد) .

{وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ} يعني: وكما أنجينا يوسف من البئر، وكما يَسَّرْنا له أن يَشتريه عزيز"مصر"- وهو الوزير - وجعلناهُ يَعْطِف عليه، فكذلك جعلنا هذا مُقدِّمَةً لتمكينه في أرض"مصر"مِن هذا الطريق (ليَكون على خزائنها فيما بعد، يَحكمها بالعدل والرحمة) ، {وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} أي: وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تفسير الرؤى، فيَعرف ما سيَقع منها مُستقبَلًا، (ولعل اللهَ تعالى رَبَطَ عِلم التأويل ببيت العزيز، لأنّ يوسف عليه السلام سيَبقى في هذا المكان مُتَفرغًا للتفكر والتعمق في هذا العِلم(الذي وهبه اللهُ له) ، ليَزداد بذلك عِلمًا، مِمّا سيَكونُ سببًا لتمكينه في الأرض عندما يُفَسِّر رؤيا المَلِك)، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ} (فإذا أرادَ سبحانه شيئًا، قال له كُن فيكون، ولا أحد يَستطيع أن يَمنع حدوث ما يُريده اللهُ تعالى) ، فإنّ الإنسانَ لو تأمَّلَ الأمرَ لَتَعَجَّب: (كيف لِغُلامٍ صغير مُلقَى في بئر، أن يَجعله اللهُ فيما بعد على خزائن الأرض؟!) ، ولكنّ اللهَ يَفعل ما يريد {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} أنّ الأمرَ كله بيد اللهِ.

?وفي هذا تصبير للرسول صلى الله عليه وسلم على ما يَجد مِن أذَى أقربائه له، إذ يوسف عليه السلام قد أصابه الأذى مِن أخوته الذين هم أقرب الناس إليه بعد والديه.

الآية 22: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ} يعني لمَّا وَصَلَ يوسف إلى مُنتهى قوته في شبابه: {آَتَيْنَاهُ حُكْمًا} أي عَلَّمناهُ كيف يَحكم بين الناس، {وَعِلْمًا} وهو الفقه في دين إبراهيم عليه السلام (وهو الإسلام) ، {وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ} يعني: وكما أعطينا يوسف هذا العطاء (جزاءً له على إحسانه) ، فكذلك نُعطي المحسنين عِلمًا نافعًا جزاءً لهم على إحسانهم، كما قال تعالى: (إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) أي عِلمًا ونورًا تُفرِّقون بهِ بين الحق والباطل والحلال والحرام والسُنّة والبدعة.

الآية 23: {وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ} أي حاولتْ امرأة العزيز فتنة يوسف (لِحُبِّها الشديد له وحُسن بَهائه) ، {وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ} - يعني إنها دَعَتهُ إلى فاحشة الزنا والعِياذُ بالله -، فـ {قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ} أي أعتصم باللهِ تعالى مِن فِعل الفاحشة، وأستجيرُ به مِن خيانة سيدي {إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ} : يعني إنه سيدي الذي أحْسَنَ إقامتي في بيته، فلا أخونه في أهله، (وفي نفس الوقت فإنَّ سيده الحق(اللهُ جَلَّ جلاله) قد أكرمه بما سَخّر له من الأمور، فكيف يَخونه فيما حَرَّمَ عليه؟)، (واعلم أنهم كانوا يقولون للسيد المالك لفظ:(الرب) ، كما نقول: رب البيت، {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} : يعني إنّ مَن تجاوز حدَّهُ لا يُفلِحُ أبدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت