الصفحة 5 من 26

?وقد قال بعض المُفسرين في قوله تعالى: {وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} أي لن يَعرفوا - عندما تُعاتبهم - أنك أخوهم، (وهذا إخبارٌ من الله تعالى بما وقع بعد سنين) ، والمقصود بذلك قوله تعالى: {قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ} .

الآية 16، والآية 17: {وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً} أي في وقت العِشاء - مِن أول الليل - {يَبْكُونَ} ويُظهِرون الأسف والخوف، فـ {قَالُوا} : {يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} أي نَتسابق في الجَرْي والرمْي بالسهام، {وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا} أي عند طعامنا وثيابنا، وما فارقناه إلا وقتًا قليلًا {فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ} {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا} يعني: وما أنت بمُصَدِّقٍ لنا {وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} أي: ولو كنا مَوصوفين بالصدق (وذلك لشدة حُبِّك ليوسف) .

الآية 18: {وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ} أي جاؤوا بقميصه مُلَطَّخًا بِدَمٍ غير دَم يوسف، (وقد قيل إنهم بعد أنْ ألقوه في البئر، ذبحوا حيوانًا صغيرًا يُشبه الماعز ولَطَّخُوا بِدَمِه قميص يوسف) ، فـ {قَالَ} لهم يعقوب عليه السلام: {بَلْ} أي: ليس الأمر كما تقولون، ولكنْ {سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا} أي زيَّنت لكم أنفسكم الأمَّارة بالسُوء أمرًا قبيحًا في يوسف، فرأيتموه حَسَنًا وفعلتموه، {فَصَبْرٌ جَمِيلٌ} أي: فصَبْري صَبْرٌ جميل (لا سَخَطَ فيه، ولا شكوى معه لأحدٍ من الخَلق) {وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ} أي: وأستعينُ باللهِ لِيُصَبِّرَني على تَحَمُّل هذا الوصف الكاذب الذي تَحكونه لي.

?وإنما فَوَّضَ يعقوب عليه السّلام الأمْرَ إلى اللهِ تعالى، ولم يَسْعَ للكشف عن مَصير يوسف، لأنه عَلِمَ بصعوبة ذلك لِكِبَر سِنِّه، ولأنه لم يكن له أحد يَستعين به على أبنائه، وقد صاروا هم الساعينَ في البُعد بينه وبين يوسف، فيَئِسَ مِن ذلك، وفَضَّلَ الصبر الجميل.

الآية 19، والآية 20، والآية 21: {وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ} أي جاءت جماعة من المسافرين (وكانوا ذاهبين إلى مصر) ، {فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ} : أي أرسلوا مَن يأتي إليهم ببعض الماء، {فَأَدْلَى دَلْوَهُ} يعني: فلمَّا أرسلَ الوارد دَلْوَهُ في البئر: تَعَلَّقَ بها يوسف، فـ {قَالَ} الوارد: {يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ} يعني: يا بُشرايَ هذا غلامٌ عظيمُ القيمة، {وَأَسَرُّوهُ} يعني: إنّ الواردَ وأصحابه قد أخفوا يوسفَ عن بقية المسافرين، حتى لا يُطالبوهم بالاشتراك معهم في ثَمَنه بعد أن يَبيعوه، وأمَّا قوله تعالى: {بِضَاعَةً} يعني إنهم قالوا لهم: (هذه بضاعة، وقد طلب مِنَّا أصحاب الماء أن نوصلها إلى صاحبها بمصر) ، {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ} بيوسف.

?وقد كان إخوة يوسف يَترددون على البئر ليَعرفوا مَصير أخيهم، فلمَّا رأوه بأيدي الوارد ورِفاقه، قالوا لهم: (هذا عَبدٌ لنا كثير الهرب، وإن أردتم شراءَهُ بِعْنَاه لكم) ، فقالوا لهم: (ذاكَ الذي نريد) ، فبَاعوه لهم بثَمَنٍ قليل، ولهذا قال تعالى: {وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ} أي باعه إخوته لهؤلاء المسافرين بثَمَنٍ قليل: {دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ} ، {وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ} أي كان إخوته زاهدينَ فيه، راغبينَ في التخلص منه، لأنهم لا يَعلمون مَنزلته عند اللهِ تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت