لايمكن فهم أفكار جورج زيمل وتصوراته النظرية والمنهجية إلا بالتركيز على بعض المواضيع المهمة في نسقه المعرفي على الوجه التالي:
الفرع الأول: مفهوم السوسيولوجيا وموضوعها
تدرس السوسيولوجيا عند زيمل الوسائل المستخدمة للعيش المشترك. ويصف لنا زيمل ذلك بدقة في كتابه (علم الاجتماع/ Soziologie) الذي صدر سنة 1908 م. ومن ثم، فموضوع علم الاجتماع هو دراسة أفعال الأفراد في شكلها التفاعلي أو التواصلي أو التبادلي. ومثال ذلك عندما يحيي شخص زميله في الشارع، يرد عليه الآخر بالتحية بشكل تناوبي. ويعني هذا أن هناك تفاعل متبادل بين الطرفين، ضمن سياق اجتماعي معين. وعنصر التفاعل أو التبادل مهم في فكر زيمل. وبالتالي، تتوقف السوسيولوجيا عند مختلف الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تربط الأفراد، ضمن سياق تفاعلي معين. أي: تعنى السوسيولوجيا بدراسة التفاعل الاجتماعي أو التآلف أو التآنس الاجتماعي الذي يتخذ طابعا ديناميكيا. ويعني هذا أيضا ملاحظة أفعال الأفراد المتفاعلة، ووصفها بدقة لمعرفة الدلالات التي تحملها اجتماعيا، وتأويلها في سياق مجتمعي معين.
وبتعبير آخر، لايدرس علم الاجتماع الفرد في حد ذاته كما عند ماكس فيبر، أو يدرس المجتمع كما عند دوركايم، بل يدرس العلاقة التفاعلية الموجودة بين الفرد والمجتمع، سواء أكانت تلك العلاقة التفاعلية متماسكة أم مبعثرة، إيجابية أم سلبية. بمعنى آخر، يدرس علم الاجتماع ذلك التأثير الذي يمارس الفرد على الآخر، ضمن وضعية اجتماعية معينة. وبالتالي، يحوي هذا التفاعل المضمون والشكل معا. وبهذا، يكون زيمل هو المؤسس الحقيقي للمدرسة التفاعلية التي نشطت كثيرا مع مدرسة شيكاغو الأمريكية.
وعليه، فقد تأثر جورج زيمل كثيرا بفلسفة الفهم والتأويلية الألمانية. وتأثر كذلك بالوضعية كما عند أوغست كونت ودوركايم. ومن ثم، فهو يعرف علم الاجتماع بأنه ذلك العلم الذي يدرس التفاعل بين الأفراد داخل الحياة المجتمعية. أي: دراسة الروابط ومختلف التفاعلات والعلاقات التواصلية الموجودة بين الأفراد ضمن بنية المجتمع، وفهم معنى تلك التفاعلات وتأويلها. وفي هذا، يقول زيمل:"يتبادل الأفراد النظرات، يغارون من بعضهم، يأكلون سوية، يتبادلون الرسائل، يشعرون تجاه بعضهم بالكراهية أو"