الصفحة 14 من 16

المطلب الثالث: الانتقادات

بادئ ذي بدء، علينا أن نعترف بأهمية جورج زيمل في مجال الفلسفة بصفة عامة، وعلم الاجتماع بصفة خاصة. ومن ثم، يعد زيمل من رواد مدرسة الفهم التي وضع أسسها فلهلم ديلثي وماكس فيبر. كما يعد من علماء الاجتماع البارزين الذين اهتموا بسوسيولوجيا الأشكال. ومن ناحية أخرى، يعد الأب المجهول للسوسيولوجيا التفاعلية، قبل أن تنسب إلى مدرسة شيكاغو الأمريكية.

أضف إلى ذلك اهتمامه الكبير بظواهر اجتماعية مثيرة ومحيرة وشاذة في تلك الفترة بالذات، فقاربها زيمل من وجهات مختلفة: سوسيولوجية، وفلسفية، واقتصادية، وسيكولوجية، مثل: المدينة، والمظاهر، والموضة، والفن، والجمال، والفقر، والنقود، والدين، والمغامرة، والنساء، وجمالية الوجه، والأطلال، والثقافة ...

ويكفيه فخرا أنه تأثر بمجموعة من المفكرين والفلاسفة البارزين، أمثال: ماكس فيبر، وسوزان جورج، وأوغست رودان، وهنري برغسون ... كما دفعه عصره، ذو الطابع الليبرالي والفردي والأداتي، إلى الاهتمام بسوسيولوجيا الفرد في تفاعله مع الآخرين، ضمن سياق مجتمعي معين.

وما يميز زيمل أيضا عن دوركايم وماكس فيبر هو الاهتمام بالتفاعل الاجتماعي الذي يجمع بين مجموعة من الذوات التي تتفاعل فيما بينها، ضمن سياقات اجتماعية مختلفة. وفي هذا، يقول فليب كابان وفرانسوا دوتريو:"في نص صغير يعود إلى عام 1909 وظل شهيرا، هو (الجسر والباب) ، قدم تحليلا إحيائيا للحيثية الاجتماعية. فهو يرى أن الحياة الاجتماعية حركة لاتتوقف العلاقات بين الأفراد من خلالها عن تعديل بعضها البعض. وهذه العلاقات، على شاكلة الجسر الذي يربط، والباب الذي يفصل، هي علامات لميول متضاربة نحو التماسك والتبعثر. وبشكل أوضح، قدم زيمل، في سبيل تحليل هذه العلاقات، تصورا رئيسيا هو الفعل المتبادل. وببساطة هو يعني بالفعل المتبادل التأثير الذي يمارسه كل فرد على الغير. وهو فعل موجه بمجموعة من الدوافع المختلفة (الغرائز الجنسية، والمصالح العملية، والمعتقد الديني، ومتطلبات النجاة أو العدوان، والمتعة في اللعب، والعمل ... ) ، وإن الكلية- المتحركة دوما- لهذه الأفعال هي التي تساهم في توحيد كل الأفراد في مجتمع بمجمله."

لكن موضوع تحليل زيمل ليس الفرد وليس المجتمع بماهما عليه: كل اهتمامه يتركز على التفاعل الخلاق بين هذين القطبين الطرفيين. إن إنتاج المجتمع، بهذا المعنى، هو المنبت المؤسس للرباط الاجتماعي. وعلى العكس من دوركايم، ينحاز زيمل إلى صيرورة المجتمع، وليس إلى الضغط الذي يمارسه هذا المجتمع. ولهذا السبب سيتكلم بأريحية عن التنشئة الاجتماعية أكثر مما عن المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت