الصفحة 16 من 28

التي تخوفهم من بأسه، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه، فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه، ما يحببه إلى خلقه، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم إليه، فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم، ثم طال العهد، وخفي نور النبوة، وصارت الشرائع والأوامر رسومًا تقام من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها، فأعطوها صورها، وزينوها بما زينوها به، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننًا لا ينبغي الإخلال بها، وأخلوا بالمقاصد التي لا ينبغي الإخلال بها، فرصَّعوا الخطب بالتسجيع والفقر، وعلم البديع، فنقص بل عَدِم حظُّ القلوب منها، وفات المقصود بها» [1] .

قال الشيخ صالح الفوزان: «هذا ما قاله الإمام ان القيم~ في طابع الخطب في عصره، وقد زاد الأمر على ما وصف، حتى صار الغالب على الخطب اليوم أنها حشو من الكلام قليلة الفائدة، فبعض الخطباء يجعل الخطبة كأنها موضوع إنشاء مدرسي يرتجل فيه ما حضره من الكلام بمناسبة وبدون مناسبة، حتى إن بعضهم يهمل شروط الخطبة، أو بعضها، ولا يتقيد بضوابطها الشرعية، فهبطوا بالخطب إلى هذا المستوى الذي لم تعد معه مؤدية للغرض المطلوب من التأثير، والتأثر والفائدة، وبعض الخطباء يقحم في الخطبة مواضيع لا تتناسب مع موضوعها، وليس من الحكمة ذكرها في هذا المقام، وقد لا يفهمها غالب الحضور.

فيا أيها الخطباء، عودوا بالخطبة إلى الهدي النبوي، قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21] . ركزوا موضوعاتها على نصوص من القرآن والسنة التي تتناسب مع المقام، ضَمِّنوها الوصية بتقوى الله والموعظة الحسنة، عالجوا بها أمراض مجتمعاتكم بأسلوب واضح مختصر، أكثروا فيها من قراءة القرآن العظيم

(1) زاد المعاد لابن القيم (1/ 409 - 410) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت