الثاني: ألا يعارضه دليل أقوى منه، أو مثله يحكم بالطهارة.
ثم قال رحمه الله:
بابٌ تطهير النجاسات: ويَطهُر ما يتنجس بغسله حتى لا يبقى لها عين ولا لون ولا ريح ولا طعم، والنعلُ بالمسح. والاستحالة مطهِّرة، لعدم وجود الوصف المحكوم عليه. وما لا يمكن غسله فتطهيره بالصَّبِّ عليه، أو النَّزْح منه، حتى لا يبقى للنجاسة أثر. والماء هو الأصل في التطهير، فلا يقوم غيره مَقامه إلا بإذن من الشارع.
شرع الماتن رحمه الله في بيان كيفية تطهير المتنجسات، فقال: ويَطهُر ما يتنجس، سواء كان ثوبًا أو بدنًا أو أرضًا أو ماءً أو وعاءً أو غير ذلك، وضابط التطهير: بغسله حتى لا يبقى لها عين ولا لون ولا ريح ولا طعم، فيذهب جرم النجاسة، ويغسل الموضع حتى يذهب أثر النجاسة؛ فلا يبقى لها لون ولا ريح ولا طعم؛ فلو أن ميتة وقعت في بئر، فلا بد من إزالة جرم الميتة، وإزالة آثارها حتى لا يبقى في الماء لون أو ريح أو طعم النجاسة، ولهذا الضابط عدة أمثلة، ذكر منها الماتن:
-الكيفية الأولى: غسله، وضابط الغسل جريان الماء على الموضع وتقاطره، وهو يفارق الرش والنضح، فالرش والنضح لا يشترط لهما جري ولا تقاطر.
-الكيفية الثانية: المسح، وضابط المسح حركة العضو الماسح على الممسوح، ومحل المسح النعلُ لحديث أبي سعيد رضي الله عنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إذا جاء أحدكم المسجد فليقلب نعليه، ولينظر فيهما؛ فإن رأى خبثًا فليمسحه بالأرض، ثم ليصلِ فيهما"، رواه أبو داود، ومثله ذيل المرأة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم:"يطهره ما بعده"، رواه أبو داود والترمذي، ومحل المسح أيضًا موضعا الاستجمار، وكل مصقول كالمرأة والسيف والسكين؛ لفعل السلف رحمهم الله.
-الكيفية الثالثة: الاستحالة، وهي تحول المادة إلى مادة أخرى، ويمثل له الفقهاء بتحول الروث إذا احترق إلى رماد، والميتة إذا ألقيت في المملحة إلى ملح، فهل تطهر بذلك؟ قال المصنف: مطهِّرة على الصحيح من أقوال أهل العلم، فلم يبق للروث أثر لا لون ولا ريح ولا طعم، ولم يبق للميتة أثر؛ وحيثما زال الجرم واللون والريح والطعم حُكم بالطهارة لعدم وجود الوصف المحكوم عليه.
-الكيفية الرابعة والخامسة: تتعلق بـ ما لا يمكن غسله، ومثلّ له بمثالين:
الأول: الأرض، ويكون تطهيرها بالصَّبِّ عليه، ومكاثرة الماء حتى لا يبقى للنجاسة جرم ولا لون ولا ريح ولا طعم، دل على هذا حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"اهريقوا على بوله سجلًا من ماء"، رواه البخاري عن أبي هريرة.