كما قيل:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادر عليه ... وعلى عن بعضه أنت صابرُ
وانظر مرة أخرى إلى كلام ابن القيم - رحمه الله - عندما قال:
ولما كان النظر من أقرب الوسائل إلى المحرم اقتضت الشريعة تحريمه وأباحته في موضع الحاجة، وهذا شأن كل ما حرم تحريم الوسائل، فإنه يباح للمصلحة الراجحة، كما حرمت الصلاة في أوقات النهي؛ لئلا تكون وسيلة إلى التشبيه بالكفار في سجودهم للشمس، أبيحت للمصلحة الراجحة كقضاء الفوائت وصلاة الجنازة وفعل ذوات الأسباب على الصحيح.
من أجل هذا قال الله عز وجل: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ} (النور:30) و (مِن) هنا تبعيضية أي أنه لم يأمر الله عز وجل بغض البصر مطلقًا، بل أمر بالغض منه لأن هناك أمور مستثناة في النظر.
1 -كالخطبة: فأباح الشرع للخاطب أن ينظر إلى مَن أراد أن يخطبها
كما عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"انظر إليها فانه أحرى أن يؤدم بينكما"
2 -وعند نظر القاضي للشاهدة.
3 -والتداوي.
فجاء حرف (مِن) لبيان أنه يجوز النظر في حالات معينة، أما عند حفظ الفرج فلم يقل الله عز وجل ويحفظوا من فروجهم، وإنما قال: {وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ} (النور:30) ؛ لأن حفظ الفرج فواجب بكل حال، فهو في كل الأحوال مأمور به، وحفظ الفرج أعم من كل محرم سواء أكان هذا الحفظ هو الإفضاء إلى كل محرم أو حفظ الفرج بمعني التستر أي عدم التكشف.
ثم قال تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} (النور:30) أي أن غض البصر وحفظ الفرج أطهر للنفس واتقى للدين وأزكى للمؤمن في الدنيا والآخرة.