الصفحة 23 من 24

وفي غياب دليل عقلي وحديث نبوي، وإجماع ونص آحادي صحيح، نلجأ إلى اللغة، فقد قال في المحيط:"البَتْرُ اسْتِئْصالُ الشيء قطعًا ... البَتْرُ قَطْعُ الذَّنَبِ ونحوه إِذا استأْصله" [1] . فاللغة تحتمل كل هذه التأويلات.

واختُلف في المراد من قريش بقوله: إنّ شانئك هو الأبتر، على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه أبو لهب، قاله عطاء. الثاني: أبو جهل، قاله ابن عباس. الثالث: أنه العاص بن وائل، قاله عكرمة.

وهذا مما لا سبيل للتحقق منه بدليل عقلي قاطع، ولا بنص متواتر ولا بإجماع للعلماء، ولا بنص آحادي، كما أنه لا يمكن ترجيحه باللغة، ويوجد فيه آثار لا ترجح قولا على قول، ولكن يمكن الترجيح بين هذه الأقوال بمعقول، وهو أننا عندما نتتبع سيرة هؤلاء نجد أن لهم أولادا حملوا ذِكْرَهم، فلم يلحقهم بتر من هذه الجهة، وأيضا نجد أن كعب بن الأشرف مات مقتولا في قصة مشهورة، وعقبة بن أبي مُعيط قتله الرسول لما أسره في بدر، بينما الوحيد من الثلاثة الذي وقع له بتر أو شبهه، هو العاص بن وائل، إذ دعا عليه الرسول قائلا:"اللهم سلِّط عليه شوكة من أشواك الأرض". بعد أن سخر من الرسول صلى الله عليه وسلم، فأصيب بشوكة في قدمه فتورَّمت، وجافت، وكان حقها أن تبتر، ولكنها لم تبتر لعدم الطبيب، وذهب ابنه يلتمس له طبيبا في الطائف، ولكنه لم يدرك أباه، حيث انتشر المرض في جسده كله ومات، فقد بتر جسده كله وليس قدمه فقط.

وقد يعترض بأن ذلك ليس فيه قطع حقيقة، قلت: بل فيه قطع للحياة من جسده تدريجيا، وهو أوقع وأنكى من البتر العضوي، وإن لم نثبت البتر لأحدهم فهذا تقليل من مصداقية القرآن الكريم، إلا أن تظهر حقيقة أخرى تثبت البتر بشكل آخر. هذا والله أعلم.

ومن الملاحظ أننا لم نستخدم كل منهج النجم الطوفي؛ إذ يستحيل تطبيقه كله في تفسير سورة واحدة قصيرة، ولكنه يتحقق كله في السور الكبيرة أو في عدة سور، وهذا يخرج عن قدرة هذا البحث.

(1) لسان العرب، ابن منظور، (4/ 37) ، دار صادر بيروت، ط 1، د ت.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت