يعلمه، وإما أن يكون مع العلم وهذا قد يكون جبنا وجمودا أو خروجا إلى السلامة واكتفاء بمن تكلم فيه قبله.
ويجوز أنهم رأوا أنه يتعين عليهم الكلام فزهدهم وورعهم حثهم على سد هذا الخلل حتى لا يقول فيه أهل الجهل، وأن يدرس من علم الشريعة ما لا يمكن تداركه، ورأوا أن الخطأ عنهم مرفوع في ذلك كما رفع عن الخطأ في الأحكام الفرعية الاجتهادية، تماما كما حدث مع موسى بن عقبة عندما نقَّح المغازي مما دخل عليها من الكذب، وأثنى العلماء على صنيعه [1] .
بعد هذه المقدمة الممهِّدة التي شملت تاريخ التفسير وإشكالاته، بدأ في عرض قانونه الذي يقترحه لتنقية التفسير مما علق به، وهذا القانون يشمل شقين؛ منهج تفسير الغامض، ومنهج الترجيح بين اختلافات المفسرين.
الشق الأول: منهج تفسير الغامض: فقد رأى النجم الطوفي أن القرآن من حيث الوضوح والغموض بين أمرين:
1.واضح المعنى واللفظ وهذا لا إشكال فيه؛ لأن المراد منه هو المفهوم منه لكل عاقل، مثل قوله: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ، {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا} [الإسراء:32] ... إلخ.
2.وغامض اللفظ والمعنى وهذا الذي يحتاج لتفسير، وقد يكون بين أمرين:
أ فيه دليل عقلي قاطع، أو نص تواتري عن النبي، أو إجماع العلماء، أو نص آحادي صحيح. وحينئذٍ يجب المصير فيه إلى ما دل على أنه المراد منه، سواء كان ما دل عليه أحد هذه الطرق موافقا لظاهر لفظ الكلام أو لا؛ لأن الدليل العقلي والمتواتر يفيدان العلم القاطع، فلا يعارضهما الظاهر المحتمل، ولذلك قدمهما. وأما الإجماع فلاستلزامه دليلا تقوم عليه الحجة من نص وغيره، فلا إجماع إلا عن مستند، ولقيام الدليل على أن الأمة معصومة من الاجتماع على ضلالة، وأما النص الآحادي الصحيح فلأنه يعتاد عليه الظن، ويوجب العمل والعلم على مذهب مرجوح، لذلك هو أولى من غيره.
(1) الإكسير في علم التفسير، (ص 39) .