الصفحة 8 من 24

تماما كما حدث في مذاهب الفقهاء، فقد نشأ عن تفرق الصحابة في الأمصار واختصاص بعضهم بما ليس عند الآخر من ناسخ ومنسوخ، أو زيادة في حكم تقييد مطلق أو تخصيص عام ونحوه، فأفتى كل منهم بما انتهى إليه علمه، ثم أضيف إلى ذلك اختلافهم في تأويل الكتاب والسنة بحسب فهمهم وبحسب لغات العرب والقرائن والأحوال، ثم تلقى التابعون عنهم ذلك، وساروا سيرهم فكثر الاختلاف جدا، وقد استشهد الطوفي بأن ما ذكره هذا في اختلاف الفقهاء هو ما ذكره الحُمَيدي [1] .

خامسا: رد الطوفي شبهة قد تثار على كلامه، مؤدَّاها: كيف يقول المفسرون برأيهم وهم أهل ورع وهناك حديث يحرم ذلك بشدة حيث يقول رسول الله:"من قال في القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار" [2] . وقال أبو بكر الصديق:"أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في القرآن ما لا أعلم" [3] . وكان الأصمعي مع تقدمه وسعة باعه يحتمي تفسير القرآن وإعرابه؟ فهذا محال، ولابد أن كل ما أوردوه من تفسير هو منقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

وأجاب عن ذلك بأنه يجوز أنهم ما علموا بحديث تحريم القول في القرآن بالرأي، والذي علمه منهم نفَّذه ولم يتكلم برأيه، والذي تكلم منهم وأخطأ يكون خطؤه خطأ اجتهاديا، وهو مرفوع كما في أحكام الفروع.

ويجوز أنهم علموا ولكنهم حملوا المنع على الجاهل وليس العالم، بدليل لفظ الحديث:"بغير علم"، كما قال الحسين بن مسعود في مقدمة تفسيره، وموقف أبي بكر الصديق يخرج بأنه قال ذلك في ما لا يعلم بدليل أنه تكلم في أحكام الشريعة بما يعلم، والشريعة والقرآن كلاهما من دين الله، ويخرج موقف الأصمعي بأنه إما أن يكون احتماؤه للكلام فيما لا يعلم وهذا توفيق؛ لأنه لا

(1) الإكسير في علم التفسير، (ص 37 - 38) .

(2) أخرجه الترمذي (2950) ، والنسائي في"الكبرى" (8085) ، والطبري (1/ 34) ، والطبراني (12392) ، والبغوي (118) ، وقال محققو مسند أحمد:"إسناده ضعيف لضعف عبد الأعلى الثعلبي، ومع ذلك فقد حسنه الترمذي وصححه ابن القطان كما في"النكت الظراف"4/ 423". انظر مسند أحمد (3/ 469) (2069) ، تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرين، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421 هـ/2001 م.

(3) مصنف ابن أبي شيبة، (6/ 136) (30103) . تحقيق كمال يوسف الحوت، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1، 1409 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت