الصفحة 19 من 50

في وطنه (الجزائر) صارع الاحتلال: سياسيًا، ودينيا، وثقافيًا، دفاعًا عن (الجزائر) وطنا، وهوية، فكان نائبًا لرئيس «جمعية العلماء المسلمين الجزائريين» الشيخ «ابن باديس» ثم رئيسًا لها بعد وفاة «ابن باديس» سنة (1940 م) مسخّرا هذا القلم للدفاع عن (الجزائر) ودينها، ولغتها (العربية) التي كانت تلقى التشويه، والتعتيم، والعمل لتهميشها والتشكيك فيها لغة للجزائريين حرصًا على التمكين للفرنسية، تحت جناح البربرية، فكتب سنة (1941 م) في جريدة «البصائر» مقالة بعنوان: «اللغة العربية في الجزائر: عقيلة حرة ليس لها ضرّة» قال في مقدمتها:

«اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة، ولا دخيلة، بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذور مع الماضي، مشتدة الأواخي مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل، ممتدة مع الماضي، لأنها دخلت هذا الوطن مع الإسلام على ألسنة الفاتحين، ترحل برحيلهم، وتقيم بإقامتهم، فلما أقام الإسلام بهذا الشمال الإفريقي إقامة الأبد وضرب بجرانه فيه أقامت معه العربية لا تريم ولا تبرح، ما دام الإسلام مقيمًا لا يتزحزح، ومن ذلك الحين بدأت تتغلغل في النفوس، وتنساغ في الألسنة واللهوات، وتنساب بين الشفاه والأفواه، يزيدها طيبًا وعذوبة أن القرآن بها يتلى، وأن الصلوات بها تبدأ وتختم، فما مضى عليها جيل أو جيلان حتى اتسعت دائرتها وخالطت الحواس والشواعر، وجاوزت الإبانة عن الدين إلى الإبانة عن الدنيا، فأصبحت لغة دين ودنيا معًا، وجاء دور القلم والتدوين فدونّت بها علوم الإسلام وآدابه، وفلسفته وروحانيته، وعرف البربر على طريقها ما لم يكونوا يعرفون، وسعت إليها حكمة يونان تستجديها البيان وتستعديها على الزمان، فأجدت وأعدت، وطار إلى البربر منها قبس لم تكن لتطيره لغة الرومان .. وسلطت سحرها على النفوس البربرية فأحالتها عربية، كل ذلك باختيار لا أثر فيه للجبر، واقتناع لا يد فيه للقهر، وديمقراطية لا شبح فيها للاستعمار وكذب وفجر كل من يسمي الفتح الإسلامي استعمارا، وإنما هو راحة من الهمّ الناصب، ورحمة من العذاب الواصب، وإنصاف للبربر من الجور الروماني البغيض» .

وبقدر ما شغل هذا القلم بالجهاد في صراع الجزائر مع محتلها الفرنسي الحريص على إلغاء لغتها، ومحاربة دينها، اهتم بالقضايا القومية الكبرى في شؤون العرب والمسلمين،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت