الصفحة 47 من 50

أن استكمل وسائل عزه وقوته، فلا تحسن في العين، ولا ترجح في الوزن إلاَّ ممن وصل إلى درجته، وقطع المراحل التي قطعها في الحياة، وأنهم ظنوا غلطًا في الفهم أنَّ هذه الحضارة غريبة، وأخطأوا؛ فإن الحضارات ليست شرقية ولا غربية، وإنما هي تراث إنساني متداول بين الأمم تتعاقب عليه فيزيد فيه بعضها، وينقص منه بعضها، ويبتكر بعضها بعض الفروع فينسب إليه، ويلونها بعضهم بألوان ثابتة، فتبقى شاهدة له حتى تضمحل.

إنَّ جُلَّ أبنائنا الذين التقطتهم أوربا لتعلّمهم عكسوا آية فرعون مع موسى؛ ففرعون التقط موسى؛ لينفعه، ويتخذه ولدًا، وربَّاه صغيرًا وأحسن إليه، فكان موسى له عدُّوًا وحَزَنًَا وسخنة عين.

أمَّا أبناؤنا فقد التقطتهم أوربا وعلمتهم وربتهم فكانوا عدوًا لدينهم، وحزنًا لأهله، وسخنة عين لأهليهم وأوطانهم، إلا قليلًا منهم دخل النار فما احترق، وغشي اللج فأمن الغرق.

والسبب في هذا البلاء هو استعداد فينا كاستعداد المريض للموت، وشعور بالنقص في أنفسنا؛ لبعد عهدنا بالعزة والكرامة، ولموت أشياء فينا تصاحب موتها في العادة يقظة أشياء؛ فَفَقْدُ الإحساس بالواجب تصحبه يقظة الشهوات الجسدية، وقوة الإحساس بالواجب هي التي أمْلَتْ على بعض خلفائنا أن يعتزل النساء كلما هم بالغزو [1] ، وهي التي حملت كثيرًا من قضاة سلفنا على أن يقمعوا شهواتهم الجسدية بالحلال قبل أن يجلسوا للخصوم في مجالس الحكم.

وموت النخوة تصحبه سرعة التقليد، وعادة الخضوع للغالب وسرعة التحلل والذوبان.

إنَّ الغرب لا يعطينا إلاَّ جزءًا مما يأخذ منَّا، ولا يعطينا إلاَّ ما يعود علينا بالوبال، وقد أَعَنَّاه على أنفسنا، فأصبح المهاجر منَّا إلى العلم يذهب بعقله الشرقي فينبذه هناك كأنه

(1) كما في قصة عبد الملك بن مروان مع إحدى جواريه عندما وقفت له بالباب لما أراد الغزو؛ فأعرض عنها وتذكر قول جرير:

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت