البريطانيون بالمرصاد فاستغلوا تلك البلبلة والقلاقل، وأطاحوا بالإمبراطورية المغولية، وفرضوا سيطرتَهم على بلاد الهند بعد معاركَ طاحنةٍ داميةٍ نشبتْ بينهم وبين الشعب الهندي.
وشهدتْ إمارةُ بوبال أزهى عصورها وذروةَ ازدهارها في عهد الأميرة النواب سكندر بيغم التي امتدَّ حكمُها من سنة 1844 م إلى سنة 1860 م بصفتها وصيةً لبنتها النواب شاه جهان بيغم، ثم رئيسةً للإمارة من سنة 1860 حتى وفاتها في سنة 1868 م.
أسَّسَ هذه الإمارةَ الأميرُ دوست محمد خان بنُ نور محمد خان الذي انحدر من قبيلةِ مِيرازِي خَيْل الأفغانيةِ الساكنةِ في بلدةِ تِراهْ التي تقع اليوم بالحدود الأفغانية الباكستانية. وُلِدَ دوست محمد خان سنة 1672 م، وترعرع وشبَّ في قومٍ من الغزاة والفرسان، ولما اشتدَّ عُودُه اكتسب مهارةً في الفروسية وغيرِها من فنون الحرب. وكان شابا قويا طَموحا متحمسا، فشجعته طموحاتُه إلى مغادرة وَطَنِه والاتجاهِ إلى حكومةٍ من أقوى الحكوماتِ وأوسعها في العالم في ذلك العصر، ألا وهي الإمبراطورية المغولية المترامية الأطراف، فشدَّ دوست محمد خان رِحالَه وهو في رَيَعان شبابه، ويَمَّمَ الهندَ سنة 1697 للميلاد. [1]
ألقى دوست محمد خان عصا ترحاله في بلدة جلال آباد بشمال الهند على مسافة نحو مائة وستين كيلو مترا من حاضرة الهند مدينة دلهي، وكان قد استقر في جلال آباد جماعةٌ من قبيلته من قبلُ. فمكث بينهم أياما، ثم انتقل إلى عاصمة الهند دلهي، والتحق بالجيش المغولي، وأثبت قدرتَه المدهشة في فنون الحرب، وتأثر الإمبراطورُ بشجاعته ومهارته الحربية؛ فوضع فيه ثقتَه وأرسله قائدا لأحد جيوشه لقمع عصيان تاردي بيغ (Tardi Beg) حاكم منطقة بونديل كاند (Bundelkhand) في وسط الهند. فقضى دوست محمد خان على هذا العصيان، وَقَفَلَ إلى دلهي منتصرا، فأُعجِب الإمبراطورُ بشجاعته، وازدادتْ ثقتُه فيه، فولَّاه منصبا عسكريا رفيعا في جيشه، وأسند إليه منطقةَ مالْوا (Malwa) التي كانت منطقةً استراتيجيةً مهمةً في وسط الهند آنذاك. [2]
(1) انظر: The Begums of Bhopal ص 2، وتاريخ بوبال ص 9