قوله تعالى: {إنما الصدقات}
أي: الزكاة الواجبة، وسمَّاها صدقة لأنها دليل على صدق صاحبها في محبة الله، إذ المال يعادل الروح في محبوبيته، والإنسان قد يخسر روحه مقابل دفاعه عن ماله، ولابد أن يكون متعلَّق الروح هو الله تعالى، والمال محبوب لدى النفس فكان لا بد من إخراج جزء منه، لئلا تميل وتتعلق النفس به بشدة، ومن هنا سميت صدقة وإن كانت زكاة واجبة.
وعبر بـ (إنما) لإفادة الحصر في الأقسام الثمانية المذكورة في الآية فإن المنافقين لما طعنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - بأنه يأخذ الصدقات لنفسه ويجمعُ المال لمصالحة، بيًّن الله تعالى فريتهم وحمق تفكيرهم فكأنما صار المعنى أن الصدقات: مقصورة على الأصناف المذكورة لا تتعداهم كما في مفاتيح الغيب [1] .
قوله تعالى: {للفقراء والمساكين}
وهم المحتاجون ومن لا يفي دخلهم حاجاتهم حتى لو ملكو القليل.
والمساكين وهم من لا يملكون شيئا كما في روح المعاني ً، والمشهور أنه إنما قدم الفقراء لأنهم أشد احتياجًا، وهو الذي يشهد له ظاهر الآية، لأن تقديمهم يوحي بأهميتهم إذ الظاهر أنه يقدَّم الأهم فالأهم كقولنا عند ذكر الخلفاء الأربعة: أبي بكر وعمر وهكذا، وكقول الشاعر: كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا [2] .
فقال عمر: هلاَّ قدَّم الإسلام على الشيب؟ يقصد لأهميته يجب أن يقدم.
وعبر بالألف واللام لإفادة التمليك. فكأنما قال: هذه الزكوات مال مستحق لهذه الأصناف
(1) ينظر بتصرف بسيط (مفاتيح الغيب) للإمام فخر الدين الرازي (16/ 102 - 109) . و (جامع البيان عن تأويل آي القرآن) للإمام محمد بن جرير الطبري (6/ 158) ، تحقيق / محمود محمد شاكر، و مراجعة أحمد محمد شاكر، دار المعارف - مصر. و (أنوار التنزيل و أسرار التأويل) للإمام ناصر الدين البيضاوي أبي سعيد الشيرازي (2/ 60) ، تحقيق / محمد صبحي حسن خلاف و محمد أحمد الأطرش دار الرشيد، دمشق و بيروت. ط 1، 1421 - 2000 م. و (البحر المحيط) ، (5/ 440) . و (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن العظيم) للإمام أبي السعود العمادي (2/ 76) دار إحياء التراث - بيروت - لبنان.
(2) البيت للشاعر سحيم وكان عبدا من بني الحسحاس، و الشطر الأول منه قوله: عميرة ودِّع أن تجهزت غاديًا، ينظر (الاحكام) للآمدي علي ابو الحسن، ينظر تعليق المحقق/سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1، 1404 هـ، و (الإصابة) ، (3/ 251) وينظر روح المعاني للالوسي (10/ 122) .