مِن مَزاعمِ العَرَبِ في الجاهلية
لا ريب أن عرب الجاهلية كانوا ذوي محامد ومناقب، قيّدوها في شعرهم، ونقلها المؤرخون عنهم، وأكّدها النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديثه الشريف:"إنما بُعِثت لأتمِّمَ مكارمَ الأخلاق."فمن هذه المناقب كرمُهم الفيّاض الذي عرفه القاصي والداني، وكان من أمارات كرمهم وسماحة نفسهم أنهم"كانوا يوقدون النار ليلًا على الكُثبان والجبال، ليهتدي إليها التائهون والضالون في الفيافي، فإذا وفدوا عليهم أمّنوهم حتى لو كانوا من عدوّهم ... وكانوا لا يقدّرون شيئًا كما يقدّرون الوفاء، فإذا وعد أحدُهم وعدًا أوفى به وأوفت معه قبيلتُه بما وعد، ومن ثَمّ أشادوا بحماية الجار لأنه استجارَ بهم وأعطوه عهدًا أن ينصروه، وجعلهم ذلك يعظّمون الأحلاف فلا ينقضونها مهما قاسوا بسببها من حروب = وليس هناك خَلّةٌ تؤكّد معنى العزة والكرامة إلا تمدّحوا بها، فهم يتمدّحون بإغاثة الملهوف وحماية الضعيف والعفو عند المقدرة، كما يتمدحون بالأنفة وإباء الضيم." [1]
لكن بإزاء هذه الخلال الحميدة، والصفات النبيلة، كانت لديهم اعتقاداتٌ عجيبة، وتقاليدُ غريبة، وعادات قميئة، مثل وأد البنات، والقمار، والشغف بالخمر، والأخذ بالثأر، الذي غدا شريعتَهم المقدسة، والحروب التي ربما أشعل أُوارَها سببٌ من الضآلة والتفاهة بمكان. وكانت للعرب في الجاهلية مزاعمُ كثيرة، هي من الصحة بعيدة، ومن البطلان قريبة، لا يتخلون عنها بحال، ولا يحيدون عنها قِيْدَ أُنمُلة؛ لأنها في اعتقادهم ضربةُ لازب، ولازمٌ واجب. سعيت في هذه المقالة إلى أن أجمع ما أمكنني جمعُه من هذه المزاعم، التي قسمتها خمسة أقسام: مزاعم في الحيوانات، ومزاعم في الجن، ومزاعم في الطب، ومزاعم في الكواكب، ومزاعم متفرقة.
(1) العصر الجاهلي، للدكتور شوقي ضيف ص 68 - 69. وعن فضل العرب ومناقبهم، انظر: العقد الفريد 3/ 324 وما بعد، وبلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب 1/ 18 وما بعد. وهناك عدد من الكتب المؤلفة في فضل العرب، منها"مَحَجَّة القُرَب في فضل العرب"للعراقي (ت 806 ه) ، و"مبلغ الأرَب في فضل العرب"لابن حجر الهيتمي (ت 974 ه) ، و"خلاصة الذهب في فضل العرب"لعبد القادر بن محمد الجَزِيري (ت 977 ه) ، و"مسبوك الذهب في فضل العرب"لمَرْعي الكرمي (ت 1033 هـ) .