الصفحة 12 من 29

عباءاتهن بعناقيد الخرز وفصوص اللؤلؤ اللامعة والرسوم المطرزة, والعباءة ضيقة وشفافة لا تخفى من تحتها ملامح زينة ولا تصد عينا عن حصينة, لم تعد العباءة عباءة ... هذا لمن لبسن العباءة, أما المصيبة التي عمت في أغلب أقطارنا فهي خلع العباءة بل خلع الخمار والجلباب, والنزول إلى طرقات المدائن بالتنورة الضيقة والبنطال المضغوط على الجسم وقد برزت الأرداف والخصور, والنهود والنحور, وانكشفت السواعد والسوق, وانحسر غطاء الرأس عن ناصية الشعر, فظهرت ناصيتها المصبوغة والمسرحة بعناية من يحسب لكل شيء حساب, وطاله الجزر من الخلف ليكشف عن أعناق تعرت مع كل هبة نسيم لاح, ثم تتالت العقود والسلاسل والأساور والخواتم والأصباغ والألوان من كل ماتستحليه العيون وتتوق إليه الأنفس, من الأصفر الكناري إلى الوردي المتواري إلى الأخضر القاني والأحمر الناري ... فمن الذي يتحدث عن مشروعية كشف الوجه أو فرضية غطاءه في كل هذا الغياب ... أين روح الحجاب من كل ما تشهده العين هنا أو هناك؟

أضحى يزخرفهن نوع ملابس *** في شكل عري فاضح فتان

وملابس أخرى تحدد جسمها *** في وصف تفصيل على الأبدان

ولعل أحدا لا يجهل أن الكثرة من بناتنا الصالحات لا يكدن يظفرن في كل أسواقنا المترامية الأطراف بغطاء أو جلباب يناسب حجابهن الشرعي فكل العباءات على الموضة وكل جلباب قد امتدت له أصابع"الفن الحديث"بالتطريز البراق والترقيع النشاز, مع فتحات وحركات تجعله لائقا بالمتبرزات المستعرضات, وكأنه لباس شهرة وتبرج لا لباس ستر واحتشام وعفة, وكل أغطية الرأس صفيقة متبهرجة الألوان مشذبة الحواف والأكناف .. حتى عباءاتنا وألبسة حجابنا يصممها لنا مصممون من إيطاليا وفرنسا وتغدق الصين بها على الأسواق دون تقصير أو إملاق .. فهل هناك سعة لنسأل أنفسنا كيف وصلنا لهذا وكيف عرفوا عنّا هذا؟ لو رفضناها لكسدت وبادت ولردت بضاعتهم إليهم, غير أنها ... قد لاقت منا عيونا راضية وأيد متلقفة وأنفسا ضعيفة مهزومة وهمما خانعة فسادت وعم بها الفساد ..

* لكن ... لعل أصل الإلتباس أن كثيرا من الناس لم يعد للإسلام شيئا فيهم, إنهن لم يخلعن الحجاب, بل الدين, لم يعد لهذا الدين القويم حظ من أنفسهم, فما يغني عنهم لو توشحوا بكل حجاب, ولا يبدأ صلاحهم من ها هنا بل من حيث غاب عنهم الإيمان فيما غاب .. ولا يغني عنا لو استعادوا الحجاب ولم يستعيدوا نور الكتاب .. حين تيبس الأغصان لا يجديها ريها أي نفع مهما تعهدتها بالإصلاح, ليس إلا أن تتعهد جذورها الضاربة في الأرض فتصلحها وترويها حتى يمتد منها إخضرار الحياة رويدا رويدا لموات الفروع و الأغصان فتربو وتزهر .. كل محاولة في غير ذلك هي محض عبث لن يلبث أن تنثره الريح ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت