الصفحة 18 من 29

وما من امرأة عاملة إلا وهي تعرف كيف جنت على نفسها براقش, إلا من رحم ربي, فهي مطالبة بأن تكون رجلا في العمل والسوق والشارع وتتابع كل حاجات الخارج الملحة دون مساندة, تكتسحها عيون المارة وتدوسها عجلات المدنية دون رحمة, لم يعد ثمة من يفسح لها الطريق لتمر, أو يحمل عنها ثقلا ناءت يداها الضعيفتان بحمله, أو يترك لها مقعده لتجلس, أليست النساء كالرجال؟ أليست هذه هي المساواة؟ .. ثم تعود المسكينة للبيت, لتكون أما ومربية وطاهية ومدبرة فيما بقي من ردح النهار, ثم هي مطالبة بأن تسترد شيئا من أنوثتها التائهة لتكون زوجة لهذا الزوج الخامل المهجن ما بقيت لها أنفاس لتفعل, من فجر النهار حتى غسق الليل في هذه الطاحونة المأفونة ..

أظل أرعى وأبيت أطحن*** والموت من بعض الحياة أرحم

وهي في كل هذا لا يرافق يومها التسبيح ولا الذكر, ولا تندى روحها بآيات القرءان, ولا يشد من أزرها ويصقل إيمانها التفكر, بل غثاء الناس وغثاء الكلام, ولا يتحلق أهل البيت معا إلا حول تلفاز متلف يسرق الأبناء من ءابائهم والآباء من أبنائهم, قالها لي أحد المرضى جاء شاكيا من إجهاد عينيه"نحن لا ننظر في وجوه بعضنا البعض وأنا ما رأيت وجه أمي لأيام سوى الآن ... حتى حين نجلس معا تتعلق عيوننا بالتلفاز فلسنا نرى غيره!!".. وليته كان في خير, بل هي تربية منهجية على كل ما يصرف القلوب عن الاخبات للخير ..

ثم نبتت أجيال من الرجال ليس فيهم رجل واحد, غابت المروءة عن صدورهم واندثر شموخهم وهجنت صفاتهم وذواتهم وحتى سمات وجوههم تخنث, وقد فتحت عليهم فتن النساء أبوابها من كل حدب وصوب, فلا تكاد تسير في شارع دون أن تؤذي عينيك ملصقات إعلانات عن نساء في أبهى حلل الزينة وأقلها سترا وأكثرها إثارة على كل سلعة متخيلة أو غير متخيلة, ولا يوشك يفتح أي قناة أو حتى يفتح بريده الخاص حتى تقتحمه الصور المتلاحقة في سباق مرصود للتميع ... ونبتت أجيال من النساء لايصلحن لأن يكن أمهات أو مربيات أو حاديات لمواكب العزة والكرامة المهانة, ولا يعرفن كيف ينشئن أجيالا كريمة وقد فقدن المثال والدوافع والقيم الرواسخ التي تعيدهن للجادة, ولم يسطعن أن يسددن خانة الرجال التي فرغت ولم يعد فيها سوى أشباه الرجال, صارت المرأة كالثور المجروح الذي يدور في ساقية جف نبعها, وصارت الرجال كالأسد العرجاء اللثغاء المهجنة والتي نشأت في أقفاص وهمية, كالقطط المدللة, فلم تتعرف على حقيقة ماهيتها بعد ..

وما عجب أن النساء ترجلت *** لكن تخنيث الرجال عجيب!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت