بسم الله الرحمن الرحيم
"لقد كانت النظرة التقليدية إلى التأريخ تهتم غاية ما تهتم بجمع الوقائع العسكرية والتحولات السياسية التي تتخذ صور المعاهدات أو التنازلات أو ما إلى ذلك من أمور تتصل بطريق أو بآخر بالخط السياسي والعسكري."
وقلما كان قارئ التاريخ يجد في ثنايا الكتابات الموضوعية أو الحولية البالغة حد المجلدات سطورًا أو صفحات تتناول ناحية فكرية أو اعتقادية، أو تحولًا اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا، أو رؤية نفسية، أو نظرة شبه شاملة - فضلًا عن النظرة الشاملة - ترصد سائر العوامل المحرِّكة والمهمة في صنع الحدث التاريخي.
إن ذلك المنهج - بصفة عامة - قد سيطر على حركة التاريخ البشري في سائر كتابات المؤرخين - باستثناء بعض النظرات العارضة - حتى ظهر ذلك العالم المغربي الأندلسي المسلم عبدالرحمن بن خلدون، الذي استطاع أن يضع رؤية تنظيرية لتفسير التأريخ بعوامل مختلفة، سماها طورًا العصبية الدينية أو القبلية، وسماها طورًا البيئة (أي الأثر الجغرافي) كما ألمع إلى العوامل البيولوجية والاقتصادية [1] .
لقد وقف ابن خلدون متفردًا، كحد فاصل بين مرحلتين متميزتين في المنهج التأريخي، وقد أعطى بهذا المنهج المتفرد سبقًا للحضارة الإسلامية، التي كان لها الفضل الكبير في الانتقال بالتأريخ من مرحلة الجمع إلى مرحلة التفسير، ومن منهجية التوثيق إلى منهجية التمحيص والتركيب الفلسفي الذي يمثل مرحلة جديدة في الرشد العقلي للإنسانية كلها [2] .
(1) - الدكتور عبدالحليم عويس: ابن خلدون وريادته لعلم تفسير التأريخ، مقال بمجلة البحوث الإسلامية (15/ 238) .
(2) - انظر: المرجع السابق.