الصفحة 18 من 28

والحكمة من هذا التدرج تهيئة النفوس للسماع ومن ثم قبولها للحق ليسهل الدخول في دين الله. ولقد كان لتدرجه صلى الله عليه وسلم في الدعوة هذا الأثر العظيم الذي ظهر واضحًا في نفوس كثير من المدعوين بقبولهم الحق، وسرعة استجابتهم له.

وهذا التدرج في الدعوة لا يخص فقط عصر النبي صلى الله عليه وسلم بل إن هذا المنهج للدعاة جميعًا.

يقول الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله:"إذا كنا نريد أن ندعو كفارًا فلابد أن ندعوهم كما أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم- في حديث معاذ - رضي الله عنه-. فندعوهم إلى أصل الإسلام، ثم بعد ذلك نأمرهم بالصلاة ثم بالزكاة ثم بالصوم ثم بالحج".

ولوا اشترط هذا الصنف من المدعوين، ارتكاب بعض المخالفات الشرعية مقابل إسلامه، مثل شرب الخمر مثلًا، فإنه يتعامل معه وفق القاعدة"إذا تزاحمت المفاسد واضطر إلى واحدة منها، قُدم الأخف منها"فيُقبل إسلامه ويقبل شرطه.

ويقول سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز- رحمه الله-:"لا أعلم مانعًا لأن شرب الخمر أسهل من بقائه على الكفر".

وعلى هذا لابد أن يسير الداعي على هذا المنهج بأن يبدأ بدعوة النصارى العرب وغيرهم بأصول الدين قبل فروعه، فإن العبادة لا تسمى عبادة إلا مع التوحيد». [1]

ومن الشَّواهِد على عناية النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بالتدرُّج مع المسلم الجديد ما جاء عن أبي هريرة -رضِي الله عنْه- (أنَّ أعرابيًّا أتَى النبيَّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- فقال: دُلَّني على عملٍ إذا عملتُه، دخلتُ الجنة؟ قال: تعبُد الله ولا تُشرِك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتُؤدِّي الزكاة المفروضة، وتَصُوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده، لا أَزِيد على هذا، فلمَّا ولَّى قال النبيُّ -صلَّى الله عليه وسلَّم-: مَن سرَّه أنْ يَنظُر إلى رجلٍ من أهل الجنَّة، فليَنظُر إلى هذا) . [2]

(1) المفصل في فقه الدعوة إلى الله، ح 6، ص 12.

(2) صحيح البخاري، باب وجوب الزكاة، ج 2، ص 605، رقم 1333.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت