الصفحة 6 من 28

المبحث الأول

حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية المدعوين.

ابتدأ -صلى الله عليه وسلم- بعرض دعوته بالحكمة والقول اللين، وإقامة الدليل على صدق رسالته، وما جاء به، مكتفيًا بالعرض اللطيف، مقتديا بهدي إخوانه من الرسل عليهم السلام، فقد قال سبحانه مخاطبًا موسى وهارون، وقد بعثهما إلى فرعون طاغية الأرض في زمانه {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى} [1] ، وقال لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [2] فجعل المطلوب أحد الأمرين إما التقوى أو التذكر؛ لذا كانت سمة هذه الفترة في دعوته -صلى الله عليه وسلم- العرض بالحكمة واللين لما في ذلك من التأثير في الإجابة ممتثلًا قول الله عز وجل: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [3] ، فأمر الله رسوله أن يدعو إلى دين الله وشرعه بتلطف وهو أن يسمع المدعو حكمة وهو الكلام الصواب القريب الواقع من النفس أجمل موقع. وهذه الطرق الثلاثة في الآية هي النافعة في العلم والعمل فعرض -صلى الله عليه وسلم- دعوته على الناس بهذه الطرق الثلاث الحكيمة مراعيًا في ذلك ما يقتضيه المقام من معاني الكلام ومن أحوال المخاطبين من خاصة وعامة.

«ولولا ما شرعه الله لأنبيائه وعباده المؤمنين من قتال الأعداء لاستولى أهل الشرك، وذهبت مواضع العبادة من الأرض قال تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} [4] .

يقول الطبري:"لولا دفاع الله بأصحاب محمد عن التابعين {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ} [5] ، فالجهاد إنما شرع لمقاصد منها دفع الصائل والمؤذي، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة".

(1) سورة طه، الآية 44.

(2) سورة طه، الآية 113.

(3) سورة النحل، الآية 125.

(4) سورة الحج، الآية 40.

(5) الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، 1/ 174.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت