وبعد أن هزم الله الأحزاب انتقلت الدعوة إلى أسلوب جديد وهو أسلوب الإلزام، حيث ألزم -صلى الله عليه وسلم- جميع أعدائه الظاهرين بالخضوع لسلطان الدعوة، وقد صرح بهذا بقوله -عليه الصلاة والسلام-: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا، نحن نسير إليهم) [1] ، فطوع قريشًا بمصالحته، ثم بفتح مكة والقضاء على الوثنية والفتنة، وطوع اليهود بإجلائهم من المدينة ثم غزوهم في خيبر والقضاء على شوكتهم.
ومن الحكمة التي يراعيها الداعية إلى الله أن يسلك سبلًا تربطه بالناس، وتؤثِّر في قلوبهم، فالنفوس قد جعل الله لها مداخل وخاصية، وذلك أنها تفتح قلوبها لمن يأتيها من الزوايا التي تريحها، وتقترب لمن يتألفها ويستميلها، ومهمة الداعية الحكيم أن يمتلك مفاتيح تلك القلوب ليعرف من أين يدخل إليها ليجد الاستجابة، ومن هذه السبل أن يوثق الدّاعية علاقاته بأصحاب الرأي والتوجيه من الناس لما في ذلك من أثر نفسي لكلمة الداعية، وسرعة لقبول دعوته، وكل هذه السبل مجتمعة في إحسان الداعية إلى مدعويه، فالقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها، وقد اجتمعت هذه السبل في دعوته -صلى الله عليه وسلم-، فقد كان يتعامل مع كل بحسبه فيعطي محبي المال شيئًا يتألف به قلوبهم، ويتعامل مع حديثي العهد بالإسلام بما يرسخ الإيمان في قلوبهم فتجده -صلى الله عليه وسلم- يؤلف القلوب ببذل العطاء العظيم، كما فعل -صلى الله عليه وسلم- في حنين، بعد أن أغنمه الله أموال هوازن فآثر أناسًا من المؤلفة قلوبهم من صناديد قريش وغيرهم ممتثلًا قول الله عز وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [2] ، فكان يعطيهم -صلى الله عليه وسلم- ترغيبًا لهم واستمالة لقلوبهم، فالترغيب يكون بكل ممكن مثل أن يبذل الراعي لرعيته ما يرغبهم في العمل الصالح من مال وغيره» [3] .
أعطى -صلى الله عليه وسلم- أناسًا ما زالوا على شركهم، مثل صفوان بن أمية إذ أعطاه -صلى الله عليه وسلم- عطاء عظيمًا.
(1) صحيح البخاري. رقم (4110) .
(2) سورة التوبة، الآية 60.
(3) التدرج في دعوة النبي. المؤلف: إبراهيم بن عبد الله المطلق. (1/ 70 - 94) . الطبعة: الأولى. الناشر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - مركز البحوث والدراسات الإسلامية. تاريخ النشر: 1417 هـ. بتصرف.